دخلت الحرب السودانية مرحلة أكثر خطورة مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة على منشآت الطاقة ومحطات التحويل، بعدما تعرضت ثلاث محطات كهرباء في ولايتي كسلا والشمالية لهجمات متزامنة الاثنين 2 نوفمبر 2026، تسببت في أضرار وانقطاعات واسعة للتيار الكهربائي.
واستهدفت الهجمات محطتي حلفا الجديدة وأروما بولاية كسلا، ومحطة الغزالي بالقرب من مدينة مروي بالولاية الشمالية، وسط تقارير عن اندلاع حرائق في بعض المنشآت، وتضرر إمدادات الكهرباء في مناطق واسعة.
ولا تقتصر خطورة هذه الهجمات على الخسائر المادية، إذ تمثل الكهرباء شرياناً أساسياً لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه والمخابز والمرافق الزراعية، ما يجعل استمرار استهدافها تهديداً مباشراً لحياة المدنيين، حتى في المناطق البعيدة عن خطوط المواجهات العسكرية.
اتساع دائرة الاستهداف
تعكس الهجمات الأخيرة اتساع نطاق العمليات التي تستهدف شبكة الكهرباء السودانية، إذ تشير تقديرات وتقارير متداولة إلى تعرض ما لا يقل عن 16 محطة كهرباء لهجمات بالطائرات المسيّرة خلال أسبوع واحد، فيما تحدثت تقديرات أخرى عن تضرر أكثر من 17 محطة توزيع خلال موجة التصعيد الأخيرة.
ويعكس اختلاف الأرقام تباين توقيت عمليات الحصر وطريقة احتساب المنشآت المستهدفة، سواء تعلق الأمر بعدد الهجمات أو محطات التوليد والتحويل والتوزيع التي لحقتها أضرار.
وتثير هذه التطورات مخاوف من تعرض الشبكة القومية لمزيد من الاضطرابات، خصوصاً أن إصلاح المحولات والمنشآت المتضررة يحتاج إلى معدات وقطع غيار يصعب توفيرها في ظل الظروف الاقتصادية واللوجستية التي تعيشها البلاد.
شبكة الكهرباء أمام اختبار صعب
تزداد خطورة الموقف بالنظر إلى التراجع الكبير في قدرات توليد الكهرباء بالسودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ انخفضت القدرة الإنتاجية من نحو 4400 ميغاواط قبل الحرب إلى قرابة 1100 ميغاواط.
وأصبح سد مروي أحد أهم مصادر الكهرباء في الشبكة الوطنية، ما يزيد حساسية منظومة الطاقة لأي أضرار تلحق بمحطات التحويل والتوزيع المرتبطة بنقل الكهرباء إلى المدن والمناطق السكنية.
ولا تتوقف الأزمة عند تراجع الإنتاج، بل تمتد إلى صعوبة نقل الطاقة وإعادة تشغيل المحطات المتضررة، في ظل نقص الوقود وقطع الغيار وتعطل سلاسل الإمداد.
المستشفيات والمياه والغذاء في دائرة الخطر
تمتد تداعيات انقطاع الكهرباء إلى قطاعات ترتبط مباشرة بحياة المواطنين، فالمستشفيات تحتاج إلى الطاقة لتشغيل أجهزة العناية المركزة وغسيل الكلى وحفظ الدم والأدوية واللقاحات، بينما تعتمد محطات المياه على الكهرباء لتشغيل المضخات وتوفير مياه الشرب.
كما تتأثر المخابز ومخازن الأغذية، فضلاً عن الأنشطة الزراعية التي تحتاج إلى الكهرباء والوقود لتشغيل مضخات الري.
ومع استمرار الانقطاعات، تتزايد المخاوف من تراجع الخدمات الصحية والمائية، وارتفاع تكلفة توفير الغذاء، وتعطل الأنشطة الزراعية في بلد يعاني بالفعل من أزمة إنسانية وغذائية واسعة.
اتهامات سودانية لإثيوبيا والإمارات
على الصعيد السياسي، قدمت الحكومة السودانية شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، اتهمت فيها إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت سودانية.
وقالت الخرطوم إنها قدمت وثائق ومعلومات فنية تتعلق بمواقع انطلاق الطائرات المسيّرة ومساراتها، معتبرة أن هذه التطورات تمثل تهديداً لسيادة السودان وأمنه.
كما تتهم السلطات السودانية الإمارات بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والمعدات العسكرية، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، مؤكدة عدم تسليح أي طرف في الصراع.
وفي المقابل، نفت إثيوبيا الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضيها لدعم الهجمات، بينما تحمل الحكومة السودانية قوات الدعم السريع مسؤولية استهداف محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية.
وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيق مستقل للتحقق من تفاصيلها وتحديد المسؤوليات، بما يمنع تحول الحرب السودانية إلى ساحة أوسع للصراعات الإقليمية.
استهداف المنشآت المدنية ومخاطر القانون الدولي
تضع الهجمات المتكررة على منشآت الكهرباء البنية التحتية المدنية في قلب المواجهة العسكرية، وتثير تساؤلات حول مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.
ويحظر القانون الدولي استهداف الأعيان المدنية، ولا تصبح المنشأة هدفاً عسكرياً مشروعاً لمجرد وجودها في منطقة يسيطر عليها أحد أطراف النزاع أو تقديمها خدمات للسكان في تلك المنطقة.
كما أن استخدام الطائرات المسيّرة لا يعفي الأطراف المتحاربة من الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.
وتزداد أهمية هذه القواعد عندما يتعلق الأمر بمنشآت تقدم خدمات أساسية، مثل الكهرباء والمياه والصحة، إذ يمكن أن يؤدي تدميرها إلى أضرار إنسانية واسعة تتجاوز موقع الهجوم نفسه.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأزمة
تفتح التطورات الأخيرة الباب أمام عدة احتمالات، أبرزها استمرار استهداف منشآت الطاقة، بما قد يؤدي إلى اتساع الانقطاعات وتراجع قدرة الشبكة على تلبية احتياجات السكان.
كما تظل احتمالات التصعيد الدبلوماسي بين السودان وإثيوبيا قائمة، خصوصاً إذا ظهرت أدلة مستقلة تؤكد الاتهامات المتعلقة باستخدام الأراضي الإثيوبية في تنفيذ الهجمات.
أما المسار الثالث فيتمثل في تصاعد الضغوط الدولية على الأطراف المتحاربة والجهات الخارجية المتهمة بتقديم الدعم العسكري، مع تزايد المطالب بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
معركة الكهرباء.. المدنيون يدفعون الثمن
تكشف الهجمات الأخيرة أن الحرب السودانية لم تعد تقتصر على السيطرة على المدن والمواقع العسكرية، بل امتدت إلى المنشآت التي تقوم عليها الحياة اليومية للمواطنين.
فمحطات الكهرباء ليست مجرد منشآت فنية، وإنما تمثل حلقة أساسية في منظومة الصحة والمياه والغذاء والإنتاج. وكلما اتسعت دائرة تدميرها، ارتفعت تكلفة استمرار الحرب وإعادة بناء الدولة بعد توقفها.
وبين الاتهامات المتبادلة والحسابات العسكرية والتدخلات الإقليمية، يبقى المدنيون الأكثر تعرضاً لتداعيات الصراع، في وقت يحتاج فيه السودان إلى حماية ما تبقى من بنيته الأساسية، قبل أن تتحول إعادة بناء البلاد إلى مهمة أكثر صعوبة وكلفة.






