اختتمت في مدينة دبي الإماراتية، يوم 30 أكتوبر 2026، أعمال المؤتمر الدولي الثاني عشر للغة العربية، بمشاركة أكاديميين وباحثين ومسؤولين وممثلين عن مؤسسات عربية ودولية، في محاولة لوضع حلول عملية لتراجع حضور اللغة العربية في التعليم والإدارة والاقتصاد والإعلام، وتعزيز قدرتها على مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية.
وانعقد المؤتمر خلال الفترة من 28 إلى 30 أكتوبر، برعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وتنظيم المجلس الدولي للغة العربية، تحت شعار «اللغة العربية أزمة أمة لا أزمة لغة»، وشهد مشاركة وفود من 70 دولة، ومناقشة مئات الأبحاث وأوراق العمل التي تناولت مستقبل العربية وتحديات استخدامها في المؤسسات والمجتمعات المعاصرة.
ووفقاً للبيان الختامي للمؤتمر، ناقش المشاركون نحو 600 بحث ودراسة وورقة عمل وتقرير، ضمن 82 ندوة علمية وست جلسات عامة، فيما ذكرت منظمة التعاون الإسلامي أن عدد المشاركين بلغ نحو 1200 شخصية، بينما أشار البيان الختامي للمنظمين إلى نحو 1100 مشارك، وهو اختلاف في تقدير إجمالي الحضور.
منظمة التعاون الإسلامي تطرح 10 مقترحات
وشاركت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي في المؤتمر للعام الرابع على التوالي، ومثلها الدكتور رامي محمد إنشاصي، الذي قدم مداخلة خلال جلسة «التشريعات والسياسات اللغوية»، استعرض خلالها تطور القرارات المتعلقة باللغة العربية داخل المنظمة، بدءاً من الميثاق وصولاً إلى القرار الصادر عن الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء الخارجية في بغداد.
وطرح ممثل المنظمة عشرة مقترحات عملية لتعزيز حضور اللغة العربية وتطوير استخدامها، مؤكداً أن حماية اللغة لا تتحقق بالاحتفاء بها في المناسبات وحده، وإنما تحتاج إلى تشريعات واضحة وسياسات مؤسسية وممارسة يومية داخل المجتمع.
وجاءت مشاركة المنظمة في إطار التعاون مع المجلس الدولي للغة العربية، وتنفيذ مذكرة التفاهم والقرارات الوزارية ذات الصلة بتعزيز مكانة العربية في المؤسسات التعليمية والإعلامية والاقتصادية.
توصيات تتجاوز الاحتفاء باللغة
ركز البيان الختامي للمؤتمر على ضرورة الانتقال من الاهتمام الرمزي باللغة العربية إلى تمكينها في مؤسسات الحياة، ودعا إلى تعزيز التشريعات والسياسات التي تضمن استخدامها في المدارس والجامعات وسوق العمل والهيئات الحكومية والأهلية.
كما شدد على أهمية تطوير مناهج تعليم العربية، وتأهيل المعلمين، والارتقاء بمستوى الكفاءة اللغوية، ودعم البحث العلمي والنشر والترجمة، وتوسيع استخدام التطبيقات الرقمية والتقنيات الحديثة في تعليم اللغة ونشرها.
وتناول البيان أيضاً أهمية تعزيز التعاون بين الجامعات والمجامع اللغوية ومراكز البحث والمؤسسات المعنية باللغة العربية، بما يسمح بتبادل الخبرات وتطوير الإنتاج العلمي والمعرفي.
ومن بين القضايا التي حظيت باهتمام المؤتمر ضرورة ربط تعليم العربية بالمعرفة المعاصرة، وعدم حصرها في الدراسات الأدبية واللغوية، بل توسيع استخدامها في مختلف التخصصات العلمية والمهنية.
الأزمة في مؤسسات المعرفة والاقتصاد
تكشف مناقشات المؤتمر أن تراجع العربية لا يرتبط فقط بانحسار استخدامها في المحادثات اليومية، وإنما يمتد إلى موقعها في إنتاج المعرفة والبحث العلمي والاقتصاد والتكنولوجيا.
فاستمرار الاعتماد على اللغات الأجنبية في تدريس العلوم والتخصصات الحديثة، دون تطوير مراجع ومصطلحات علمية عربية، يحد من قدرة اللغة على مواكبة التحولات المعرفية، كما أن ضعف المحتوى العلمي العربي المنشور رقمياً يقلص فرص وصول الأجيال الجديدة إلى المعرفة بلغتها.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن تحديات أوسع، من بينها ضعف تمويل البحث العلمي، وقصور حركة الترجمة والنشر، والفجوة بين الجامعات واحتياجات سوق العمل، وهي عوامل تتطلب سياسات متكاملة لا تقتصر على الدعوة إلى استخدام العربية.
البعد الحضاري والهوية الإسلامية
احتل البعد الحضاري والإنساني للغة العربية مساحة مهمة في أعمال المؤتمر، باعتبارها لغة القرآن الكريم، ووعاءً رئيسياً للتراث الإسلامي والعربي، وأداة للتواصل بين شعوب وثقافات متعددة.
وأكدت المناقشات أهمية الحفاظ على اتصال الأجيال الجديدة بمصادر المعرفة والتراث العربي والإسلامي، مع الانفتاح على اللغات الأخرى والاستفادة من تجاربها العلمية والثقافية.
ولا تعني إعادة الاعتبار للعربية إقصاء اللغات الأجنبية، وإنما بناء قدرة معرفية وعلمية تسمح بالتفاعل مع العالم دون التخلي عن الهوية اللغوية والثقافية.
التوصيات تنتظر التنفيذ
رغم أهمية ما طرحه المؤتمر من توصيات ومقترحات، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الجلسات، من خلال تحويل الأفكار إلى برامج تعليمية وتشريعات وسياسات قابلة للتطبيق والتقييم.
فالبيان الختامي لم يحدد إطاراً موحداً لميزانيات التنفيذ أو جداول زمنية ملزمة لجميع الدول، كما أن صدور التوصيات لا يعني بالضرورة تبنيها بصورة رسمية من الحكومات المشاركة.
وفي سياق متصل، أعلنت منظمة التعاون الإسلامي استعدادها لتنظيم النسخة الخامسة من احتفاليتها باليوم العالمي للغة العربية في مقر الأمانة العامة بمدينة جدة يوم 13 ديسمبر 2026.
وتبقى القيمة الحقيقية للمؤتمر مرتبطة بمدى قدرة المؤسسات العربية والإسلامية على ترجمة مخرجاته إلى واقع ملموس، يعيد اللغة العربية إلى مواقع التعليم والإدارة والإنتاج العلمي والاقتصادي، ويجعلها لغة حاضرة في صناعة المستقبل، لا مجرد عنوان للاحتفاء بالماضي.






