عجيبٌ أمر النخبة في مصر، أو مَن يدرجون أنفسهم قسرًا وظلمًا وعدوانًا ضمن قوائم النخبة؛ حيث يرون الاختلاف المُطلق ميزة نسبية؛ فإن ولَّى القوم وجوههم شطر اليمين، اتجهوا دون عناء من تفكير شمالاً، وإن ولَّى القوم وجوههم شمالاً هُرعوا من تلقاء أنفسهم صوب اليمين، شعارهم الأزلى في الحياة: “خالِف تُعرف”، كالرجل الذي بال في بئر زمزم، ولا يخلو الأمر على أي حال من مشاعر عدوانية مشوبة بالحسد والغل والحقد أحيانًا، إن لم يكن أحايين كثيرة، ورحم الله الإمام الشافعي حين نظم: ألا قل لمَن بات لي حاسدًا/ أتدري على مَن أسأت الأدب؟/ أسأتَ على الله في حكمه/ لأنك لم ترضَ لي ما وهب/ فجزاك ربي بأن زادني/ وسدَّ عليك وجوه الطلب!
ما تقدم يمكن أن نلمسه بوضوح وجلاء شديدين في حالة الطفلة ميار عثمان، ذات الأحدَ عشرَ عامًا، الفائزة بالمركز الأول في تحدى القراءة العربي الذي ضم ملايين المتسابقين من أبناء الوطن العربي الكبير (جغرافيًا)؛ حيث حجب هؤلاء الفرحة بإنجاز الطفلة الصغيرة عن قلوبهم المغرضة، وأصروا على الإبحار ضد التيار، والتقليل من هذا الإنجاز الكبير، بل وصل الأمر عندهم إلى حد التنمر والسخرية!
غضَّ هؤلاء المتنمرون، وفيهم ومنهم مسؤولون سابقون ومثقفون وإعلاميون، الطرف عن موهبة الصغيرة وقدرتها الفائقة على الحديث بلغة عربية فصيحة وحضورها الطاغي الذي يتجاوز عمرها المحدود، وراحوا يتحدثون عن لكنة خليجية أو طريقة غير مصرية في الكلام.. (اتكلمي مصري يا ميار)!
ابتداءً.. كان يمكن الإنصات بتقدير إلى هؤلاء وهؤلاء لو كانوا من الكُتاب المهرة الذين لا يخطئون في حرف ولا يُلحنون في كلمة، أو من المتحدثين المُفوَّهين الذين امتلكوا ناصية اللغة وعلموا دروبها، ولكن الواقع غير ذلك؛ فجميعهم بدون استثناء كما يقول المثل الدارج: “على الله حكايتهم”!
المتظاهرون ضد الطفلة ميار عثمان لم ينزعجوا من مستوى مذيعي الهواء وقراء النشرات في المحطات الإذاعية والتليفزيونية المصرية، على كثرتها وتعددها، ومنهم مَن ينسخون اللكنة الخليجية حرفًا بحرف، وإن كانت برداءة منقطعة النظير، ولم يعترض عليهم أحد. كما لم ينزعج هؤلاء الغاضبون من المستوى اللغوي المتردي لكثير من أولئك الذين قفزوا إلى منصات الأخبار دون اختبارات حقيقية تفرز الغث من السمين، حتى تصدر المشهد الإعلامي مذيعون لا يزالون يتساءلون عن الحركة الإعرابية للكلمة التي تأتي بعد حرف الجر: أهي مرفوعة أم منصوبة؟! ويكفي في هذا السياق أنه لا تملك شاشة مصرية وحيدة حتى الآن شريط أخبار (news bar) خاليًا من الأخطاء والخطايا اللغوية البارزة والساذجة!
كان يمكن أخذ كلام هؤلاء المتنمرين بالطفلة المصرية الموهوبة على محمل الجد لو أنهم يمتلكون حدًا أدنى من القدرة على الكتابة السليمة دون هنَّات أو أخطاء فادحة، بل إن أحدهم كتب منشورًا انفعاليًا عدائيًا ضد التلميذة المصرية من مائتي كلمة، زادت فيه الأخطاء الإملائية والنحوية على عشرين خطأ مما تعدون.
مسؤول سابق قفز إلى منصبه الوزاري في غفلة من الزمان انضم إلى قافلة المتنمرين من الصغيرة وهو في الأساس بلا رصيد ثقافي أو معرفي، ولا يجيد حديثًا ولا يتقن كتابة!
كما إنه لا يصح لمهندس معماري أن يخوض في الحديث عن الجديد في طب جراحة المخ والأعصاب، فإنه لا ينبغي للأميين أن يدلوا بدلوهم في الحديث عن عبقرية ميار عثمان التي نالت جائزتها عن جدارة واستحقاق، وليس من خلال التربيطات والشللية التي تشوب أجواء منح الجوائز المالية في مجتمع المثقفين، وما يحدث في جوائز المجلس الأعلى للثقافة كل عام أكبر دليل، وليس ببعيد!!
كان ينبغي على هؤلاء وغيرهم أن يفكروا في كيفية الاستفادة من حالة ميار عثمان، وكيف يمكن البناء عليها لتنشئة جيل جديد من الأطفال الذين يقرؤون بعد سنوات طويلة من التغييب والتغريب والتجهيل، حتى أصبح لدينا وزراء لا يجيدون إلقاء كلمة مقتضبة دون إثارة الجدل من حولهم، أو أكاديميون ومثقفون لا يزالون يكتبون: “إنشاء الله” و”إن لله وإن إليه راجعون”!
الغريب في الأمر أن بعضًا من المتنمرين بالطفلة ميار عثمان وقفوا وقفة رجل واحد في صف (مذيع الكريمليم” ونافحوا عنه وناصروه، أمَّا الأغرب فإن كثيرًا من هؤلاء المتنمرين سارعوا بحذف منشوراتهم العدوانية فور استقبال الرئيس للطفلة الموهوبة وتكريمه لها!






