أعادت الهزيمة الانتخابية الحادة للحزب الجمهوري في اقتراع التجديد النصفي لعام 2026 فتح النقاش حول خريطة النفوذ داخل البيت الأبيض، إثر التصريحات الصريحة لـ جيه دي فانس نائب الرئيس، والتي انتقد فيها حرب الرئيس دونالد ترامب على إيران محجماً أسباب الخسارة التشريعية بها.
وتثير هذه المواجهة السياسية والدستورية تساؤلات جوهرية بشأن حدود صلاحيات منصب نائب الرئيس، وإمكانية التهميش الإداري، والسباق التنافسي المبكر لخلافة القيادة، بالتوازي مع التحديات الدستورية التي تكتنف مسارات العزل أو تفعيل التعديل الخامس والعشرين مع عودة الأغلبية للديمقراطيين.
المهام الدستورية والصلاحيات
يرتكز موقع نائب الرئيس الأمريكي على نصوص دستورية محددة ترسم حدود صلاحياته وتمنعه من ممارسة سلطات تنفيذية مستقلة دون تكليف مباشر من الرئيس:
الأدوار الدستورية الإلزامية: ينص الدستور على تولي نائب الرئيس رئاسة مجلس الشيوخ والبت في الأصوات عند التعادل، إضافة إلى ترؤس الجلسة المشتركة لحصر أصوات المجمع الانتخابي، وتولي الرئاسة في حالات الشغور الدائم أو المؤقت.
الصلاحيات التنفيذية المشروطة: تخضع المشاركة في اجتماعات مجلس الأمن القومي، وإدارة الملفات السياسية والدبلوماسية والخطط التنموية لإرادة الرئيس المباشرة، حيث تحول المنصب عبر العقود إلى موقع استشاري متقدم بالبيت الأبيض كما جرى في حقبة والتر مونديل، وكما استعان ترامب بفانس في مسارات المفاوضات الإيرانية.
آليات التهميش والاستقلالية
تفرض الطبيعة الانتخابية للمنصب واقعاً يمنع الرئيس التنفيذي من إقالة نائبه مباشرة، مفروضةً خيارات سياسية أخرى لتجميد نفوذه:
الحماية الدستورية والتجريد الإداري: يمنع التعديل الدستوري الرئيس من إصدار قرار بإقالة نائبه المنتخب معه، حيث يقتصر عزله على الإجراءات البرلمانية أو الاستقالة، لكن يمكن للرئيس سحب الملفات الحساسة والاستعانة بوزراء آخرين لتهميشه سياسياً.
الوزن السياسي داخل حركة “ماغا”: يتمتع فانس باستقلالية تنبثق من قاعدته الممتدة داخل القاعدة المحافظة ودعم ممولين بارزين، مما يجعل أي محاولة لتحييده مواجهة مفتوحة على الصراع حول القيادة القادمة للحزب.
معركة الخلافة وسباق عام 2028
يتداخل الخلاف الراهن حول حرب الشرق الأوسط مع حسابات انتخابات الرئاسة المقبلة لعام 2028 في ظل عدم حسم ترامب لموقفه النهائي:
التنافس بين فانس وروبيو: تتراوح الخيارات الداخلية بين جيه دي فانس المدعوم من دونالد ترامب الابن وتاكر كارلسون والممثل لتيار متشكك بالتدخلات الخارجية، وبين وزير الخارجية ماركو روبيو الممثل للمدرسة التقليدية الأكثر تشدداً وتأييداً للتحالفات الخارجية.
اتساع الخيارات التمهيدية: ترك ترامب الباب مفتوحاً أمام المنافسة في الانتخابات التمهيدية متحدثاً عن أسماء بارزة أخرى مثل رون ديسانتيس وتيد كروز وجوش هاولي، مع طرح خيار ترشيح الرجلين على بطاقة واحدة.
محددات المساءلة والعزل التشريعي
تمنح سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي النواب والشيوخ بدءاً من يناير 2027 أداة ضغط ورقابة واسعة دون ضمان العزل المباشر للرئيس:
الفصل بين الاتهام والإدانة: يملك مجلس النواب توجيه اتهامات العزل بالأغلبية البسيطة، غير أن العزل التنفيذي يتطلب تصويت ثلثي مجلس الشيوخ (67 سيناتوراً)، مما يستدعي انضمام أعضاء جمهوريين للأغلبية الديمقراطية.
السوابق التاريخية والأولويات: تعرض ترامب لمحاكمتي عزل في 2019 و2021 دون الوصول لنصاب الإدانة، بينما تتركز استراتيجية قيادة الديمقراطيين الحالية بزعامة حكيم جيفريز على التحقيق في ملفات الفساد وتضارب المصالح والغلاء بدلاً من طرح العزل الفوري.
تعقيدات التعديل الخامس والعشرين
يمثل التعديل الخامس والعشرون مساراً دستورياً آخر لنقل السلطات في حالات عدم القدرة التشغيلية للرئيس:
آلية الفقرة الرابعة: تتيح للنائب وبموافقة أغلبية الوزراء تقديم إعلان رسمي بنقل الصلاحيات مؤقتاً للنائب كرئيس بالإنابة، وفي حال اعتراض الرئيس يُحال النزاع إلى الكونغرس ليحسمه بأغلبية الثلثين في كلا المجلسين.
حدود الانتقال والتطبيق: لا يمنح التعديل عزلاً دائماً عند الاعتراض إلا بشروط برلمانية مشددة، بينما تنص الفقرة الأولى على انتقال الرئاسة بالكامل وبشكل دائم للنائب في حالات الوفاة أو الاستقالة أو الإقالة الناجحة.
وتضع الخلافات العلنية بين دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس الإدارة الأمريكية أمام مرحلة دقيقة لإدارة التوازنات التنفيذية والسياسية في ظل كونغرس بمصالح مغايرة.
ويظل مستقبل المنصب مرتهناً بمدى قدرة الطرفين على احتواء التباينات حول السياسة الخارجية وتفادي انقسام القواعد الانتخابية قبل انطلاق السباق الرئاسي القادم.
إن طبيعة منصب نائب الرئيس الأمريكي تمنحه حصانة دستورية ضد الإقالة المباشرة من الرئيس، لكنها تتركه عرضة للتهميش السياسي وإعادة توزيع الملفات التنفيذية.