في الأسبوع الماضي، قادتني إحدى الزيارات إلى إحدى قرى الجيزة الجميلة الواقعة على خط المناشي (تحديداً في منطقة وردان).
وعقب انتهاء الزيارة، قررت أن أستقل قطار العاشرة والنصف صباحاً، والمعروف هناك بـ “الإكسبريس”.
كانت الرحلة في حد ذاتها مشاهدة حية لواقع يعيشه قطاع عريض من أهلنا يومياً؛ فالقطار متواضع إلى أقصى حد، عربات متهالكة يعود تصميمها ومظهرها إلى زمن “حرب المعيز”!
فلا شبابيك تقي الركاب تقلبات الجو، وكلها تقريباً تقع ضمن مستويات عربات الدرجة الثالثة القديمة جداً لمن يعرف هذه النوعية من القطارات التي طال عليها الزمن.
انتظرنا في محطة “نكلا” نحو 25 دقيقة كاملة في حالة من “التقاطر” لتبادل المسار مع قطار آخر، لتستغرق الرحلة حتى محطة “باشتيل” حوالي ساعة وعشر دقائق، بينما كان من الممكن قطعها في وقت أقصر بنحو 20 دقيقة لولا هذا التوقف والمقاطع المتكررة.
من باشتيل، كان عليّ استقلال ميكروباص للوصول إلى منطقة الإسعاف بوسط البلد، ومن هناك ركبت مترو الأنفاق من محطة “جمال عبد الناصر” لأصل إلى وجهتي الأخيرة.
حسبة بسيطة.. وأرقام صعبة
حين جلست أحسب تكلفة هذه الرحلة الإيجازية، وجدتها كالتالي:
تذكرة القطار: 10.5 جنيهات.
الميكروباص إلى وسط البلد: 10.5 جنيهات.
مترو الأنفاق: 10 جنيهات.
أي أن رحلة العودة وحدها تكلفت نحو 31 جنيهاً.
ولو افترضنا سيناريو الموظف المصري البسيط الذي يسكن على هذا الخط؛ إذا أضفنا استقلال “توكتوك” بـ 10 جنيهات للوصول للمحطة، ومثله عند العودة للبيت، ستصبح تكلفة اليوم الواحد (ذهاباً وإياباً) حوالي 100 جنيه.
إذا ضربنا هذا الرقم في 5 أيام عمل أسبوعياً، نصل إلى 500 جنيه أسبوعياً، أي ما يعادل 2000 جنيه شهرياً للمواصلات فقط!
وهنا يفرض السؤال نفسه بحرقة:
كيف لموظف حكومي أو في القطاع الخاص يتقاضى راتباً محدوداً أن يقتطع منه 2000 جنيه لمجرد التنقل إلى عمله؟
كيف يستطيع بعد ذلك سداد فاتورة الطعام والكساء، وإيجار السكن، وفواتير الكهرباء والماء والغاز، واشتراك النت، ومصاريف العلاج والأطباء وتعليم ومدارس وجامعات ودروس خصوصية وهلم جره؟
إنها معادلة تعجيزية تضع أعباءً جثاماً على كاهل الأسرة المصرية.
بقعة ضوء.. وسلوكيات غائبة
ولكي نكون منصفين، لا يمكن أن نغفل الجانب الإيجابي الذي لاحظته عيناي خلال الرحلة؛ فهناك عمليات تطوير وتشييد تجري على أرض الواقع، وإن كانت تتسم بالبطء الشديد.
هناك استبدال للقضبان والفلنكات القديمة، وبناء محطات وأرصفة جديدة تليق بالمواطنين.
لكن التطوير العمراني والهندسي يظل ناقصاً ما لم يرافقه تطوير في سلوكيات البشر.
إن سلوكيات بعض الركاب والمواطنين على خط المناشي تحتاج هي الأخرى إلى إعادة نظر وتوعية شاملة تماماً كحاجة البنية التحتية للسكك الحديدية للتطوير، وذلك للحفاظ على هذه المرافق العامة والتحديثات التي تُنفذ بمليارات الجنيهات.
تساؤلات للأمل.. وهل يحق لنا أن نحلم؟
بعد هذه الرحلة الحافلة، لم أملك إلا أن أطرح مجرد تساؤلات مشروعة، وأحلاماً لأبناء هذا الوطن:
هل يمكن أن نحلم يوماً بأن نرى خط “المناشي” يتحول إلى خط “مترو” سريع ومحدث بدلاً من قطاره الحالي؟
هل يمكن أن يجد الموظف وأي مواطن ضالته في قطار آدمي، منتظم، وسريع، يغنيه عن الزحام والمحاور الخارجية وتعدد وسائل المواصلات؟
هي حسبة أتركها للمسؤولين وللموظفين أنفسهم للتعبير عن حجم معاناتهم، علّ هذا المقال يكون صوت رفقٍ يساهم في تخفيف الأعباء عن كاهل البسطاء.
شاركوني آراءكم وتجاربكم:
كم تدفع شهرياً في مواصلات ذهابك وإيادتك للعمل؟ وكيف تتدبر هذه الحسبة في ميزانية أسرتك؟







