حوارات

مسؤول في التفتيش التربوي: المدرسة الجزائرية من الابتدائي إلى الجامعة تتقهقر

مستقبل الجزائر في التطور العلمي والتكنولوجي

الجزائر – علجية عيش

تعيش المنظومة التربوية في الجزائر حالة من التقهقر وبشهادة إطار تربوي وهو الأستاذ الصغير باله مفتش تربوي، إذ يقول أن مستقبل الأمة في التطور العلمي والتكنولوجي ولا يكون ذلك إلا بتطور المدرسة وهذا يكون بالدرجة الأولى بكفاءة الإطار التربوي (معلما و مديرا ومفتشا) ولذا وجب تحسين ظروف الأستاذ وتكوينه معرفيا وبيداغوجيا في العلوم التي هي عماد تخصصه وتطوير كفاءته، لأن الدول المتقدمة هي الدول التي اهتمت بالتربية، فعلي الأسرة والمدرسة أن تغرس حب القراءة في نفوس الناشئة وتشجعهم على الاجتهاد الفردي في إنشاء البحوث العلمية، وبخصوص الذكاء الاصطناعي يقول محدثنا أن هذا التطور ساعد الإنسان في أن يختزل الوقت ويوفر الكثير من الجهد على البشر، فكلما ظهر جديد في التكنولوجيا، في هذا الحوار خرج الأستاذ باله عن صمته ليكشف خبايا المنظومة التربوية في الجزائر

* معروف عن الأستاذ الصغير باله حقوقي ومفتش سابق في قطاع التربية، هلا تحدثتم عن تجربتكم في هذا المجال؟

** الحديث عن تجربتي في سلك التفتيش التربوي ذو تشعبات، فمفتش التربية والتعليم يجد في القطاع كل النماذج المتوقعة وغير المتوقعة، ولذا أقول أن المفتش ينبغي أن يتصف بصفات كالصبر والحِلمُ أحيانا وأحيانا أخرى بالصرامة في غير قسوة، لأنه سيجد في الميدان نماذج لمعلمين من كفء و عامل مجتهد لكنه يتكاسل، وغير كفء لكنه يمتلك إرادة الاجتهاد وغير ذلك، فعملية التفتيش هي بيداغوجية، تكوينية، توجيهية، إرشادية خاصة للأساتذة الجدد، ومن خلال هذه التجربة المتواضعة أقول، على الدولة بصفة عامة وعلى وزارة التربية بصفة خاصة التكفل الجاد بتكوين كل إطارات التربية من أساتذة ومديرين ومفتشين، وعلى الوزارة العودة إلى تكوين الأساتذة عبر المؤسسات التكوينية التابعة للوزارة كالمعاهد التكنولوجية التي كانت في السابق وكذلك المعاهد الوطنية والجهوية لتكوين إطارات التربية وأن يكون هذا التكوين في مدة تكفي لتلقي المتكون المكتسبات التي تؤهله للمنصب وليس مثل ما هو حاصل الآن حيث التكوين لفترات قصيرة لا يمكن خلالها أن يفي الغرض المطلوب.

* كيف يقيم الأستاذ باله المنظومة التربوية في الجزائر؟

** سؤال صعب و غير ممكن الإلمام بتقييم منظومة تربوية تمتد لعقود في كلمات أقول أولا: أنه ليس من السهل تقييم المنظومة التربوية من قبل شخص أو حتى عدة اشخاص في عجالة، وبكل صراحة لست مؤهلا لأن اقيم منظومة تربوية تمتد على مدى 60 سنة وتقييم المنظومة التربوية يكون من قبل هيئات مختصة فيها من العلماء والخبراء والمؤهلين في تخصصات عدة ويكون التقييم لكل عناصر المنظومة التربوية من مناهج ومقررات وكتب مدرسية و حتي تقييم التقويم، ولما لا تقييم الإطار المشرف نفسه، وذلك يتطلب جهدا كبيرا ويتطلب وقتا كافيا لإجراء الدراسة والتحليل والتقييم وعموما منظومتنا التربوية مثل غيرها من المنظومات التربوية في مجتمعات أوضاعها مثل اوضاعنا ، فيه نجاحات و فيها أيضا إخفاقات لا يمكن أن نغفلها.

* وصفت المدرسة الجزائرية في مرحلة السبعينيات بالذهبية، رغم قلة الإمكانيات من حيث التطور التكنولوجي، كيف نقارنها بالمدرسة الحديثة في ظل الرقمنة؟

** المدرسة الجزائرية في مرحلة السبعينيات كانت فعلا ذات قيمة وكانت ذات مستوى محترم والدليل أن الكفاءات المتخرجة من جامعاتنا رغم قلتها أنداك بمجرد خروجها لأيّ بلدٍ من البلدان المتقدمة تتبوأ تلك الإطارات أماكن مرموقة سواء في الجامعات أو المعاهد أو المستشفيات أو حتى في الشركات العالمية، وهذا يعطينا صورة واضحة عن مستوى تلك المدرسة وتلك الفترة.

* ظهور الروبوت أصبح يهدد مصير الإنسان، كيف يمكن مواكبة هذا التطور والوقوف أمام هذا الكائن المخيف ندا للند؟

** ظهور الإنسان الآلي وتطور استخدامه في شتي المجالات وفي مختلف النواحي أري أنه لا يمكنه ابدا أن يهدد مصير الإنسان البشري، بالعكس لقد ساعد هذا التطور الإنسان في ان يختزل الوقت ويوفر الكثير من الجهد على البشر، فكلما ظهر جديد في التكنولوجيا إلا واثيرت مخاوف تجاهه، لكن في المنظومة التربوية مثلا هناك الكثير من الخدمات المرقمنة وهذا شيء جديد يجب تثمينه وتدعيمه للوصول إلى رقمنة القطاع، فيما يخص التلميذ فتوزيع الألواح الإلكترونية على المدارس قضى في المدارس التي استفادت على تلك الوسيلة على ثقل المحفظة.

* الدروس الخصوصية كان لها دور سلبي على الاجتهاد العلمي والمعرفي بالنسبة للتلاميذ في جميع الأطوار التعليمية، في رأيكم ماهي الأليات للقضاء على هذه الظاهرة؟

** الدروس الخصوصية الآن أصبحت حديث العام والخاص، وهذه الظاهرة لم تكن في عهد السبعينيات والثمانينيات، ومن هنا نطرح السؤال: لماذا يلجأ التلميذ إلي الدروس الخصوصية؟ والجواب هو أنه لو وجد التلميذ ما يشبع حاجاته في الدروس الرسمية في مؤسسته لما لجأ أبدا إلي الدروس الخصوصية، ثم أن هذه الدروس الخصوصية في أحيان كثيرة تقام في محلات لا تستجيب للفعل التعليمي، والسؤال الذي نطرحه إلى أصحاب المهنة، كيف لأستاذ في قسمه في المؤسسة يُدَرِّس 30 تلميذا مثلا ويعجز عن إكساب التلاميذ المعارف والكفاءات المطلوبة وفي محل أخر هو (مرآب) garage، يجمع فيه 50 تلميذا وبقدرة قادر ينجح في الوصول إلى تحقيق الأهداف المسطرة؟ والسؤال يطرح نفسه بنفسه، كيف لأستاذ العلوم الطبيعية أو الفيزياء مثلا الذي يدرس في المؤسسة بالأفواج ومع توفر الوسائل والمخابر ويخفق في تحقيق الأهداف؟ بينما داخل مرآب دون وسائل عمل يحقق المعجزات؟ إنها المفارقات العجيبة في مجتمعنا وفي منظومتنا التربوية، الظاهرة أعيت من يداويها وهنا وجب التدخل السريع للدولة في محاربة هذه الظاهرة والقضاء على الدروس الفوضوية.

* في رأيكم من هو المسؤول الأول علي تكوين التلميذ، هل الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم الوزارة؟

** طبعا، الأسرة هي المسؤول الأول على تكوين التلميذ ثم يأتي دور المدرسة في المرحلة الثانية وحتى في هذه المرحة أي حين يلتحق الطفل بالمدرسة تواصل الأسرة دورها التربوي، فالطفل يبقي وقتا قصيرا في المدرسة مقارنة بما يعيشه مع أسرته، هناك مظاهر سلبية للأولياء سواء في المنزل أو في المؤسسة التعليمية، هناك أولياء يحرضون أبناءهم على الأساتذة، وكعينة في جلسات عائلية و أمام الأطفال جل النكت تدور حول المُعَلِّمِ وهذه السلوكيات تفقد التلميذ ثقته في معلمه، ولذا على المعلم وحتي الأولياء أن يُعَوِّدُوا التلميذ على القراءة من خلال إحداث منافسة بين تلاميذ القسم الواحد في القراءة وإعداد الملخصات و كذا، ومن هذا الفضاء الفكري والثقافي ندعو كل أستاذ أن يحتكم إلى ضميره فقط.

بورتري للمفتش التربوي

الصغير باله من مواليد 1956بمنطقة ريفية جبلية تسمي وادي الطاقة في عمق الأوراس بباتنة شرق الجزائر، خريج جامعة باتنة قسم الحقوق والعلوم الإدارية، لكن الظروف غيرت وجهته ليلتحق بالتعليم كأستاذ التعليم المتوسط عن طريق مسابقة وطنية، حيث عمل كأستاذ اللغة والأدب العربي في الفترة بين 1979 و1995 وهي السنة التي التحق فيها بمركز تكوين إطارات التربية بالجزائر العاصمة، ليصبح بعدها مفتشا للتعليم الابتدائي والمتوسط إلى غاية إحالته على التقاعد.

علجية عيش

صحفية جزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights