الأمة الثقافية

“فَلا زالَتِ الأَرضُ مَعمورَةً”.. شعر: علي بن الجهم

ما زِلتُ أَسمَعُ أَنَّ المُلوكَ

تَبني عَلى قَدرِ أَخطارِها

وَأَعلَمُ أَنَّ عُقولَ الرِجا

لِ يُقضى عَلَيها بِآثارِها

فَلِلرومِ ما شادَهُ الأَوَّلونَ

وَلِلفُرسِ مَأثورُ أَحرارِها

فَلَمّا رَأَينا بِناءَ الإِمامِ

رَأَينا الخِلافَةَ في دارِها

وَكُنّا نَعُدُّ لَها نَخوَةً

فَطَأمَنتَ نَخوَةَ جَبّارِها

وَأَنشَأَتَ تَحتَجُّ لِلمُسلِمينَ

عَلى مُلحِديها وَكُفّارِها

بَدائِعَ لَم تَرَها فارِسٌ

وَلا الرّومُ في طولِ أَعمارِها

صُحونٌ تُسافِرُ فيها العُيونُ

وَتَحسِرُ عَن بُعدِ أَقطارِها

وَقُبَّةُ مُلكٍ كَأَنَّ النُجو

مَ تُفضي إِلَيها بِأَسرارِها

تَخِرُّ الوُفودُ لَها سُجَّداً

إِذا ما تَجَلَّت لِأَبصارِها

إِذا لَمَعَت تَستَبينُ العُيو

نُ فيها مَنابِتَ أَشفارِها

وَإِن أوقِدَت نارُها بِالعِرا

قِ ضاءَ الحِجازَ سَنا نارِها

لَها شُرُفاتٌ كَأَنَّ الرَبيعَ

كَساها الرِياضَ بِأَنوارِها

نَظَمنَ الفُسَيفُسَ نَظمَ الحُلِيِّ

لِعونِ النِساءِ وَأَبكارِها

فَهُنَّ كَمُصطَبِحاتٍ بَرَزنَ

بِفِصحِ النَصارى وَإِفطارِها

فَمِنهُنَّ عاقِصَةٌ شَعرَها

وَمُصلِحَةٌ عَقدُ زُنّارِها

وَسَطحٍ عَلى شاهِقٍ مُشرِفٍ

عَلَيهِ النَخيلُ بِأَثمارِها

إِذا الريحُ هَبَّت لَها أَسمَعَت

غِناءَ القِيانِ بِأَوتارِها

وَفَوّارَةٍ ثَأرُها في السَماءِ

فَلَيسَت تُقَصِّرُ عَن ثارِها

تَرُدُّ عَلى المُزنِ ما أَنزَلَت

عَلى الأَرضِ مِن صَوبِ مِدرارِها

لَوَ اَنَّ سُلَيمانَ أَدَّت لَهُ

شَياطينُهُ بَعضَ أَخبارِها

لَأَيقَنَ أَنَّ بَني هاشِمٍ

يُفَضِّلُها عُظمُ أَخطارِها

فَلا زالَتِ الأَرضُ مَعمورَةً

بِعُمرِكَ يا خَيرَ عُمّارِها

تَبَوَّأتُ بَعدَكَ قَعرَ السُجونِ

وَقَد كُنتُ أَرثي لِزُوّارِها


الشاعر علي بن الجهم

علي بن الجهم القرشي (188 هـ – 249 هـ / 803 – 863م)، هو علي بن الجهم بن بدر بن مسعود بن أسيد القرشي، وكنيته أبو الحسن وأصله من خراسان، المولود في 188 للهجرة في بغداد، سليلاً لأسرة عربية متحدرة من قريش أكسبته فصاحة لسان وأحاطت موهبته الشعرية بالرزانة والقوة، وحمتها من تأثير مدينة بغداد التي كانت تعج بالوافدين من أعاجم البلاد المحيطة بها.

نشأ علي بن الجهم في أسرة جمعت بين العلم والأدب والوجاهة والثراء، فقد كان أخوة الأكبر محمد بن الجهم مولعًا بالكتب وقراءتها، يروي عنه الجاحظ أنه كان معدودًا من كبار المتكلمين جمع بين ثقافتي العرب واليونان وكان يجادل الزنادقة في مجالس المأمون، في هذه البيئة نشأ علي، ولكنه اهتم بالثقافة العربية دون اليونانية ووهب نفسه للشعر وأعرض عن مذهب المعتزلة ومال إلى مذهب أهل الحديث وفي ظل الدولة العباسية في فترة كانت مليئة بالاختلافات المذهبية والسياسية تحت شعار الإسلام. وقد عاصر ثلاثة خلفاء عباسيين هم المأمون، والمعتصم والواثق.

لم يقرب من أي خليفة عباسي، ولكن كان يوثق علاقاته الفكرية والشعرية مع رموز ذلك العصر ممن يتفقون معه في أفكاره، فربطته علاقة فكرية جميلة مع الإمام أحمد بن حنبل، وعلاقة شعرية أجمل مع الشاعر أبو تمام. ولم يقبل على باب الحكم إلا عندما تولى الحكم الخليفة المتوكل على الله الذي اشتهر بانتصاره لمذهب أهل الحديث الذي آمن به ابن الجهم. وكان الخلفاء الثلاثة السابق ذكرهم كان يتبعون فكر المعتزلة.

    كان على بن الجهم يستعد للجهاد في سبيل الله ودين الإسلام أمام جحافل الروم التي كانت تهدد الدولة الإسلامية. فانتقل إلى حلب ثم خرج منها بجماعة للجهاد، فاعترضه جمع من أعدائه من الأعراب الكلبيين، وأعداء أفكاره الدينية، فقاتلهم حتى مات بين أيديهم عام 249 للهجرة.

كان ينتمى إلى أهل الحديث الذين يقفون عند ظاهر الكتاب والسنة، متدين فخور بتدينه ويمدح به قال:

أَهلاً وَسَهلاً بِكَ مِن رَسولِ

جِئتَ بِما يَشفي مِنَ الغَليل

بِجُملَةٍ تُغني عَن التَفصيلِ

بِرَأسِ إِسحقَ بنِ إِسمعيلِ

قَهراً بِلا خَتلٍ وَلا تَطويلِ

جاوَزَ نَهرَ الكُرِّ بِالخُيولِ

تَردي بِفِتيانٍ كَأُسدِ الغيلِ

مُعَوَّداتٍ طَلَبَ الذُحولِ

خُزرِ العُيونِ طَيِّبي النُصولِ

شُعثٌ عَلى شُعثٍ مِن الفُحولِ

جَيشٌ يَلُفُّ الحَزنَ بِالسُهولِ

كَأَنَّهُ مُعتَلِجُ السُيولِ

يَسوسُهُ كَهلٌ مِن الكُهولِ

لا يَنثَني لِلصَعبِ وَالذَلولِ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights