أقلام حرة

قناة الجزيرة مشروع صياغة وعي عربي إسلامي أعور

كلمات في الصميم

مضر أبو الهيجاء

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم نوابغ زمانهم يتميزون بالفهم الصحيح والوعي العميق، وهو نتيجة نقاء مصادرهم في التناول الشرعي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي، الأمر الذي صاغ تصوراتهم الصائبة والدقيقة عن الدين والحياة والمجتمع والإنسان، وهو ما انعكس إيجابا على اجتهاداتهم في مساحة التدافع سواء في جانب هدم الباطل والظلم وأشكاله بوسائل عديدة، أو في جانب بناء الحق والوعي وما ينفع الناس ويحقق مصالحهم، وهو معنى عمارة الأرض الواجبة.

إن ما تقوم به قناة الجزيرة خطر في جانب تشكيل وعي مشوه على المستويين العربي والإسلامي، للدرجة التي نشهد فيها اليوم تشكل مسطرة قياس جديدة في عقول كثير من الإسلاميين ودعاتهم، ولعل أهم أسباب ذلك التشويه يعود لتعدد المصادر التي تجمع في نفس الوقت بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، وذلك من خلال أخبار موجهة بقوالب، وكتب وكتابات وكتاب وحلقات وتوجيه وتعبئة، تنتهي جميعها بصناعة عقل عربي إسلامي أعور يرى جزءا من الحق والحقيقة، ولكنه لا يرى الجزء الآخر الفاسد والمفسد للمناهج العقدية والفكرية والسياسية، بل يلقمها للجماهير بالملعقة!

إن الدور والسلوك الذي قامت به قناة الجزيرة في عدة تجارب وفي مساحات جغرافية متعددة، مثل العراق ما بعد سقوط بغداد، وكذلك مثل ملف القاعدة بين أمريكا وباكستان، ومثل تجربة الزرقاوي، ومثل ترويجها المبدع للمحور الإيراني، وكذلك تصويرها لعمليه سبعه أكتوبر وطوفان الأقصى، وقس عليه الصورة النمطية التي رسختها في عقول كثير من الدعاة والمشايخ والوعاظ والكتاب حول مونديال قطر، وتبرير كل أشكال الإسراف فيه، واعتبارها أحد جوانب الإبداع المتقدمة في نشر الإسلام!!! إن كل هذه التجارب والصور تشير إلى أن قناة الجزيرة ليست فقط قناة تنقل الخبر، بل إن مهمتها الرئيسية تكمن في استخدام هذا الخبر الذي تجيد نقله وصياغته بشكل محترف، لتصنع صورا ذهنية تقود لأشكال من السلوك على مستوى الأفراد والجماعات والشعوب خاطئة تحرف المسار وتصرفه عن الصراط.

أدعو كل إخواني الكرام من الكتاب والدعاة والباحثين والمفكرين أن يمنعوا أنفسهم ويصوموا مدة شهر عن النظر والاستماع لقناة الجزيرة، مكتفين بالمصادر الإخبارية المهنية من مصادر عامة وعلى رأسها قنوات التلجرام الإخبارية، ليروا بعد مرور شهر كيف يتراجع الاضطراب الحاصل في نفوسهم، وكيف ترتقي عقولهم في الطرح بشكل أكثر نقاء وأوضح انسجاما وأعدل في نظرته وأكثر انصافا في فهمه للحقائق وتفسيره للوقائع، وبالتالي نجاعة مقارباته في التعامل مع الواقع.

إن جزءا هاما من التحديات الدعوية الإصلاحية القائمة في مجتمعاتنا اليوم، باتت تشكل مخاطر حقيقية على مستوى تشويه وتدمير الوعي الجمعي، بأكثر مما تفرضه النظريات الجاهلية والشركية، وأداة ذلك هي الإعلام الكاهن الذي لبس ثوبا عربيا وإسلاميا مرصعا بجواهر الأخبار والأفكار والشخصيات المحبوبة والمرموقة، فيما يدس شيئا فشيئا فكرا وتصورا مختلفا مناقضا وخاطئا، والأمر ليس محصورا بقناة الجزيرة الرائجة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights