محمد العنبري يكتب: انتهاء الطاقة وسط الصغائر

الحياة مليئة بالتحديات الكبيرة والصغيرة وكثيرًا ما نجد أنفسنا نتصدى لكبرى المشاكل بصلابة وإصرار نحن نقف بشجاعة أمام الأزمات الحقيقية، سواء كانت تلك المتعلقة بالصحة أو العمل أو العلاقات، ونبذل قصارى جهدنا لنخرج منها بأقل الأضرار الممكنة نتحمل المسؤوليات الثقيلة ونتعامل مع الضغوط اليومية بروح من المثابرة والتحدي، ونخرج في النهاية منتصرين لكن، ما يحدث بعد ذلك قد يبدو غريبًا فبمجرد أن نتجاوز تلك المراحل الصعبة، نجد أنفسنا نهزم أمام الصغائر، تلك الأمور التافهة التي لم تكن لتؤثر فينا لولا أنها جاءت بعد سلسلة من المعارك الكبرى.
يبدو الأمر كما لو أن طاقتنا قد استنفدت تمامًا بعد مواجهاتنا العظيمة، فلم نعد نملك القوة الكافية للتعامل مع المشكلات البسيطة يمكن تشبيه ذلك بجندي خاض حربًا ضروسًا ونجا منها بأعجوبة، ليعود بعدها ويعجز عن مواجهة تحديات الحياة اليومية البسيطة هذا الجندي قد استنفد كل طاقته في المعركة الكبرى، ولم يعد لديه ما يكفي ليواجه التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو له في السابق غير ذات أهمية.
إن الصغائر رغم أنها تبدو تافهة في ظاهرها قد تتحول إلى عائق حقيقي عندما تتراكم تلك الأمور التي نتجاهلها أو نستهين بها تتسلل إلى حياتنا، وتصبح بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير قد نجد أنفسنا نفقد أعصابنا بسبب أمر بسيط كفقدان مفتاح المنزل أو انقطاع خدمة الإنترنت، في حين كنا في السابق قادرين على مواجهة مصائب أعظم دون أن نفقد رباطة جأشنا يعود السبب في ذلك إلى أن النفس البشرية، مهما كانت قوية، تحتاج إلى فترات من الراحة وإعادة الشحن عندما نستنزف كل مواردنا النفسية والعاطفية في مواجهة الأزمات الكبرى، نجد أنفسنا غير قادرين على التعامل مع أي تحدي جديد مهما كان بسيطًا.
من المهم أن ندرك أننا بشر وأن لنا حدودًا لا يمكننا تجاوزها دون أن ندفع الثمن علينا أن نكون أكثر وعيًا بضرورة الاهتمام بأنفسنا وباحتياجاتنا النفسية ليس من العيب أن نعترف بأننا بحاجة إلى الراحة، وأن نعطي أنفسنا الفرصة للتعافي بعد كل معركة نخوضها فالطاقة ليست موردًا لا ينضب، وإذا لم نكن حذرين في استهلاكها، سنجد أنفسنا عاجزين عن مواجهة أبسط الأمور يمكننا تبني بعض الاستراتيجيات التي تساعدنا على الحفاظ على توازننا النفسي، مثل تخصيص وقت للاسترخاء والاهتمام بأنفسنا، وعدم التردد في طلب المساعدة عندما نحتاجها.
يجب علينا أيضًا أن نتعلم كيف نعطي الأمور الصغيرة حجمها الحقيقي وألا نسمح لها بالسيطرة على حياتنا وإفسادها تلك التفاصيل التي تبدو كبيرة عندما نكون في حالة من الإرهاق النفسي، هي في الواقع أمور يمكن التعامل معها بسهولة إذا كنا في حالة نفسية جيدة لذلك، علينا أن نتذكر دائمًا أن العناية بأنفسنا ليست رفاهية، بل ضرورة تساعدنا على الاستمرار في الحياة بفعالية الحياة ليست سباقًا يجب أن نفوز فيه بكل التحديات، بل هي رحلة يجب أن نعيشها بكل تفاصيلها، الكبيرة والصغيرة، ونحن في أفضل حالاتنا النفسية.