مقالات

د. أحمد زكريا يكتب: شرف الخصومة وأخلاق الفرسان

قال الإمام مالك -رحمه الله- في القرن الثاني الهجري: «ما في زماننا شيءٌ أقل من الإنصاف».

قال القرطبي -رحمه الله- في القرن السادس الهجري معلقًا على كلام مالك: «هذا في زمن مالكٍ، فكيف في زمانِنا اليوم الذي عمَّ فينا الفساد، وكثُر فيه الطغام، وطُلِب فيه العلم للرياسة لا للدراية، بل للظهور في الدنيا، وغلَبةِ الأقران بالمِراء والجدال الذي يقسِّي القلب، ويُورث الضغن؛ وذلك مما يحمل على عدم التقوى وتركِ الخوف من الله تعالى»؛

الجامع لأحكام القرآن (1/286 – 287).

أخي الحبيب -سدَّدك الله- كن منصفًا حتى مع خصومك.. لا تتسرَّعْ في الحُكم على أخيك = خَصمك!! عامِلْ خَصمك بما تحبُّ أن يعاملَك به غيرُك.. ضَعْ نفسَك في موقفِه، وعِشْ في حالته ومكانه وزمانه، ولا تكن مسلحًا بالظنون الفاجرة، والأحكام المسبقة الجائرة، وسَلْ نفسك: لِم فعَل هذا؟ ولمَ تكلَّم بهذا؟ ومتى وأين؟ انظُرْ لواقعه، وتأمَّل في المعطيات التي دعته لذلك؛ لعل له عذرًا، لعله لم يقُلْ ولم يفعَل، اسمع منه! ثم تحدَّث مع نفسك وقل: ما عساي أن أفعل وأقول لو كنتُ على حاله؛ فـ: «الحُكْم على الشيءِ فرعٌ عن تصوُّره»!

وما زال العلماء يحثُّون على هذا المعنى:

  • قال ابنُ حزم -رحمه الله-: «مَن أراد الإنصافَ، فليتوهَّم نفسَه مكان خَصمه؛ فإنه يلُوح له وجهُ تعسُّفه»؛

الأخلاق والسِّير (ص: 80).

  • وقال ابنُ القيِّم -رحِمه الله-: «والإنصافُ أن تكتالَ لمُنازِعِك بالصاع الذي تكتال به لنفسِك؛ فإنَّ في كل شيء وفاءً وتطفيفًا»؛

تهذيب السُّنن (122/1).

  • وقال ابن المقفَّع -رحمه الله-: «أعدلُ السَّير أن تقيسَ الناسَ بنفسِك، فلا تأتيَ إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك»؛

الأدب الصغير والأدب الكبير (ص: 73).

وأخيرًا أقول:

سلوكُ مسلَكِ الإنصاف وكسبُه ليس بالأمر الهين؛ قال -سبحانه-: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135]؛

لذلك ينبغي أن توطِّن وتعوِّد وتمرِّنَ وتجاهِدَ نفسك وهواك!

فمن تعوَّد على شيء أدمنه؛ قال -جل وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]،

ومَن أدمَن النَّظرَ في كتب سِيَر السلف الصالح، فسيرى نماذجَ عجيبة، ومواقفَ رهيبة يُقتَدى بها، تثور بها الهممُ إلى القِمَم حتى تكون ترياقًا مداويًا، وبلسمًا شافيًا؛ ليصبح الإنصافُ مَلَكةً وسجيَّةً، والله -وحده- المستعان.

جعَلني اللهُ وإيَّاكم من الذين يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسَنَه، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

د. أحمد زكريا

كاتب وباحث

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights