علاء سعد حميده يكتب: غزوة بدر وقفات مع مؤسسة الشورى!

غزوة بدر الكبرى تلك المعركة الفاصلة الكبرى التي جرت في السابع عشر من شهر رمضان في العام الثاني للهجرة،
بين قلة من المسلمين يقودهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كثرة من جيش قريش بقيادة أبو جهل عمرو بن هشام.
فكانت فرقانا فرق به المولى تبارك وتعالى بين الحق والباطل.
حملت العديد من الدلالات التأسيسية في عالم التربية والجهاد والسياسة والحكم، نتوقف في هذه العجالة مع مؤسسة الشورى وماهيتها في الإسلام،
وقد تجلّت فعاليتها في مواقف فاصلة قبل الغزوة ثم مرحلة التجهيز والإعداد وأخيرا بعد الغزوة في مناقشة مصير الأسرى.
قبل قرار خوض المعركة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أيها الناس.
فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال وأحسن،
فكرر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (أشيروا عليَّ أيها الناس).
فقام المقداد بن عمرو رضي الله عنه وقال:
(يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالتْ بنو إسرائيل لموسى:{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}(المائدة:24)،
ولكنِ امضِ ونحن معَك، فكأنَّه سرِّيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري.
فقال صلى الله عليه وسلم مرة أخرى: (أشيروا عليَّ أيها الناس) وإنما يريد الأنصار،
وقد فطن سعد بن عبَادَة رضي الله عنه ـ وهو من كبار وقادة الأنصار ـ إلى ما يريده النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
((إِيَّانا ترِيد يا رسول اللَّه؟ والذي نفسي بيده لو أمرْتنا أن نخِيضَها (الخيل) البحر لأخضْناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكْبَادَها إلى بَرْكِ الْغِمَادِ
(موضع على خمس ليال من مكة في طريق اليمن، أو مكان يضرب فيه المثل في البعد) لفعلنا)) رواه مسلم.
وقال سعد بن معاذ فقد آمنَّا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السَّمع والطَّاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله.
فوالذي بعثك بالحقِّ، إن استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما يتخلَّف منَّا رجل واحد،
وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غدًا، إنَّا لصبُرٌ في الحرب، صدُقٌ عند اللِّقاء، ولعلَّ الله يريك منَّا ما تقرُّ به عينك،
فسِر بنا على بركة الله. فسرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشَّطه ذلك.).
المرحلة الأولى
في هذه المرحلة التي سبقت غزوة بدر أسس النبي صلى الله عليه وسلم لممارسة القائد للشورى،
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يعرض الأمر على الجيش ويطلب إليهم الرأي والمشورة،
بعدما بيّن لهم حقيقة الموقف وطبيعة المواجهة، لقد كانت عملية استطلاع الرأي شاملة،
فلم يكتفِ النبي برأي أبي بكر بل استمع كذلك إلى عمر وإلى القعقاع بن عمرو، ثم طلب الشورى مجددا فأشار الأنصار سعد بن عبادة وسعد بن معاذ.
المرحلة الثانية
ثم جاء دور المبادرات الفردية في الشورى والتي أشار بها الأفراد من واقع شعورهم بالمسؤولية عن الحدث من جهة،
وخبراتهم الشخصية التي تتيح لهم تقديم الرأي بين يدي القيادة،
وهذه هي المرحلة الثانية من مراحل الممارسة التأسيسية للشورى وتمثلت في موقف الحباب بن منذر وسعد بن معاذ.
“كان الحُباب بن المنذر بن الجموح عليمًا بالمكان؛ فلما رأى حيث نزل النبيُّ قال:
يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال النبي: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل؛
فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزل ثم نغوِّر ما وراءه من القُلُب،
ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
ولم يلبث النبي حين رأى صواب ما أشار به الحباب أن قام ومن معه واتَّبع رأي صاحبه، معلنًا إلى قومه أنه بشر مثلهم
وأن الرأي شورى بينهم وأنه لا يقطع برأي دونهم، وأنه في حاجة إلى حسن مشورة صاحب المشورة الحسنة منهم.
ولما بنوا الحوض أشار سعد بن معاذ قائلًا:
“نبي الله، نبني لك عريشًا تكون فيه وتعدُّ عندك ركائبك ثم نلقى عدونا؛ فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدوِّنا كان ذلك ما أحببنا،
وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا؛ فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًّا منهم،
ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك.”
المرحلة الثالثة
أما المرحلة الثالثة من مراحل ممارسة رسول الله صلى الله عليه وسلم لممارسة الشورى فكانت عقب الغزوة في شأن الأسرى من مشركي قريش:
“وأسر منهم سبعون رجلاً، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر،
فقال أبوبكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية،
فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟
قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تملكني من فلان -قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه،
وتمكّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمتهم.
قال: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت: وأخذ منهم الفداء”
مراحل ومستويات متعددة لممارسة الشوري
إنها مراحل ومستويات متعددة لممارسة الشوري تختلف كل مرحلة عن أختها لكنها تتسق معها وتتكامل مع عملية مؤسسية مترابطة ومتكاملة،
فقبل قرار خوض المعركة كان القرار بمشاركة جميع أفراد الجيش،
فالشورى عامة لأن نتيجة المعركة ستمس جميع الأفراد ولأن الجنود صغرهم وكبيرهم سيقع عليهم عبء التنفيذ والتضحية والاستبسال،
كما أنها شملت عنصري الأمة المهاجرين والأنصار، بحرص شديد من النبي صلى الله عليه وسلم.
بينما تميّزت المرحلة الثانية بعنصري المبادرة الفردية للأفراد، وهي تحرك ذاتي للفرد بغير تكليف من القيادة نابع من المسؤولية والانتماء والرؤية الفريدة،
وربما استثمار الخبرة السابقة وتوظيفها، وكذلك عنصر التخصصية، فلولا التخصص والخبرة ما تقدّم الحُباب بن المنذر باقتراحه الاستراتيجي بين يدي رسول الله.
مرحلة الخبراء المبادرين
هذه المرحلة اقتصرت على الخبراء المبادرين، ولم تشمل جميع الأفراد، وهي مما يمكن أن يطلق عليه في عالم اليوم مجلس “التكنوقراط أو الخبراء الاستشاريين”.
ثم لحقتها عملية تخصصية أعلى اقتصرت الشورى فيها على مجلس الوزراء أبو بكر وعمر وهي قضية الأسرى،
فلئن كانت قضية مصير الأسرى قضية عامة تخص أفراد الجيش بما يمكن أن يعود عليهم من عوائد الفداء،
فإن لها خصوصية فالمعركة كانت ضد قريش، والأمر كان يخص المهاجرين بشكل أكبر،
فها هو أبو بكر وعمر المهاجران القرشيان وزيرا رسول الله يشاركانه الرأي في ذلك الملف،
ويميل رأي سيدنا رسول الله إلى رأي أبي بكر ويتخذ القرار برأيين مقابل رأي واحد وهي نسبة الثلثين!
ثم ينزل القرآن الكريم مؤيدا رأي عمر لحكمة تشريعية يعلمها الله تعالى.
إن المتتبع لخطوات ومراحل ممارسة عملية الشورى في ظلال غزوة بدر يدرك أن الشورى في الإسلام ليست مجرد استعلام القائد لرأي الأفراد تجاه قضية معينة؛
وإنما هي عمل مؤسسي متكامل يقوم على أسس ومبادئ لتحقيق النظام الشوري منها:
أولا:
مناخ داعم للشورى، فالنظام الشوري المؤسسي يقوم على إشاعة مناخ الشورى، ولقد تجلى هذا المناخ في دعوة الآيات البينات لتطبيق مبدأ الشورى كقوله تعالى:
(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفِقُونَ) (الشورى38)،
وهذا النداء المتكرر في إلحاح من سيدنا رسول الله على ممارسة الشورى، (أشيروا علي أيها الناس).
ثانيا:
شفافية عرض المعلومات والمآلات المتوقعة.
لقد عرض النبي الموقف المتغير على أفراد الجيش بفرار قافلة قريش وتحول الموقف إلى مواجهة فاصلة ومعركة شرسة مع جيش قريش المتجه إلى بدر،
ثم طلب منهم الرأي بناء على تعريفهم بالحقائق والمستجدات.
ثالثا:
شمول فئات المجتمع المهاجرين والأنصار،
فلم يقنع النبي برأي المهاجرين من دون الأنصار ولكنه ألح على استخلاص رأي مكوني الأمة من المهاجرين والأنصار.
رابعا:
حرية تداول المعلومات، فلولا تدفق تداول المعلومات وحريتها وتناقلها بين أفراد الجيش والمجتمع المدني ما أقدم فرد من المجتمع على المبادرة الفردية معتمدا على رصيد خبرته لتقديم الرأي والنصيحة والمشورة للقائد،
وهو ما اعتمد عليه الحباب بن المنذر في مشورة اختيار المنزل بل تغيير المنزل الذي اختاره النبي ابتداء ولم يكن الأنسب، بل الأنسب ما أشار به الحباب.
خامسا:
تشجيع المبادرة الشخصية (مشورتي سعد بن معاذ- الحباب بن المنذر) فلولا حرص النبي وتشجيعه وتوجيهه لكافة الأفراد بالمبادرة الذاتية ما جرؤ أحدهم على تقديم رأيه بين يديه.
سادسا:
سهولة الوصول إلى صناع القرار، إن مناخ الحريات بالإضافة إلى شفافية المعلومات وحرية تداولها وتدفقها ما كانت لها أن تصنع مباردة ذاتية تسمح بتقديم المشورة ما لم يكن الوصول إلى القيادة وصناع القرار ميسرا مع إمكانية عرض الرأي وتقليبه ومناقشته بين يدي القيادة،
وهكذا تحتاج ممارسة النظام الشوري إلى آليات التغذية والتغذية الراجعة بين القيادة والأفراد في عملية تواصل متبادلة وسلسلة.
سابعا:
مستويات الشورى وخصوصية بعض المجالس، لقد فهم الحباب بن المنذر مبدأ الشورى فهما راقيا (أقره عليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقد ميّز بين نوعين من القرارات التشريعية والتنفيذية،
نوع ينتمي إلى أمر الله واختياره (منزل أنزلكه الله ما لنا أن نتزحزح عنه)،
وبين القرار المبني على الاجتهاد البشري والرؤية الشخصية والخبرة الحياتية (أم هي الحرب والرأي؟)،
فالنظام الشوري في الإسلام لا يناقش الثوابت المحكمة قطعية الثبوت للدين وإنما يناقش الرؤى البشرية المتغيرة.
كما اختلفت مستويات ممارسة الشورى خلال غزوة بدر حيث شملت بعضها الجميع مثل الاجتماعي الشوري الأول قبل قرار خوض المعركة،
مع تخصيص مجلس شورى ضيق ضم أبا بكر وعمر عقب المعركة لحسم مصير الأسرى، لاختلاف طبيعة القرار واحتياجه إلى تخصص محدد.
هكذا نقرأ درسا من دروس غزوة بدر الكبرى يوم الفرقان، وهو درس ممارسة الشورى في الإسلام.