في وقت يقف فيه الشرق الأوسط على حافة اشتعال إقليمي شامل، تكتسب زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي أبعاداً تتجاوز في جوهرها الطابع البروتوكولي المعتاد لتبادل التهاني بالعيد.
إن استقبال محمد بن زايد آل نهيان للوزير التركي، في هذا التوقيت الحرج، يمثل تدشيناً لمرحلة جديدة من “الدبلوماسية الوقائية” بين قوتين إقليميتين قررتا تنحية الخلافات التاريخية جانباً لصالح بناء جدار صد أمام التهديدات التي تمس سيادة الدول واستقرار الأسواق العالمية.
تحالف الضرورة في مواجهة الاستهداف الإقليمي
لم يكن الموقف التركي الذي نقله “فيدان” مجرد عبارات تضامن، بل جاء كرسالة سياسية حازمة ومباشرة؛ حيث جددت أنقرة إدانتها الصريحة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت منشآت حيوية في دولة الإمارات.
وترى وكالات أنباء عالمية مثل “رويترز” و”فرانس برس” أن هذا الموقف التركي يعكس تحولاً جذرياً في موازين القوى، حيث باتت تركيا تنظر إلى أمن الخليج كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي، خاصة في ظل التصعيد العسكري الذي أعقب أحداث فبراير ومارس 2026، والذي طال سيادة دول المنطقة والقوانين الدولية المنظمة للملاحة والطاقة.
تصفير الأزمات من ليبيا إلى سوريا
يشير خبراء في معهد “أتلانتيك كاونيسل” – مركز ابحاث امريكى متخصص فى الشئون الدولية- إلى أن التنسيق الإماراتي التركي الحالي يمتد ليشمل “تبريد” الملفات الأكثر تعقيداً في المنطقة، وعلى رأسها الملفين السوري والليبي.
فبعد سنوات من التباين، تبحث أبوظبي وأنقرة اليوم عن نقاط التقاء تضمن وحدة الأراضي السورية وتدعم استقرار السلطة المركزية في ليبيا بعيداً عن التدخلات الميليشياوية.
هذا التقارب، بحسب تقارير “بلومبرغ”، يهدف إلى تقليل تكلفة المواجهات الإقليمية وتوجيه الموارد نحو بناء شراكات اقتصادية عملاقة، خاصة وأن البلدين يمتلكان مفاتيح أساسية للتجارة والربط اللوجستي بين آسيا وأوروبا.
الرهان على الدبلوماسية لاحتواء نيران “الوكلاء”
اتفق محمد بن زايد وهاكان فيدان على أن “الحل العسكري” لم يعد خياراً مطروحاً في ظل التداعيات الخطيرة للتصعيد الراهن على الأمن الدولي.
وتنقل وكالات الأنباء أن هذا اللقاء يمهد لحراك دبلوماسي مشترك للضغط باتجاه وقف العمليات القتالية في بؤر التوتر وتغليب لغة الحوار السلمي.
ويرى محللون سياسيون أن هذا المحور “الإماراتي-التركي” قد يصبح الوسيط الأكثر موثوقية في الأزمات القادمة، لقدرته على التحدث مع كافة الأطراف ببراغماتية عالية، مما يحمي المنطقة من الانزلاق إلى صراعات “الوكلاء” التي استنزفت مقدرات الشعوب لعقود.
موقف تركي حازم تجاه التهديدات الإقليمية
لم يخلُ اللقاء من مواقف سياسية حادة وصريحة، حيث جدد وزير الخارجية التركي إدانة بلاده القاطعة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولة الإمارات ودول المنطقة في أوقات سابقة، واصفاً إياها بالأعمال الإرهابية التي تضرب القوانين الدولية عرض الحائط.
هذا الموقف التركي الصريح يبعث برسالة واضحة مفادها أن أنقرة تقف في خندق واحد مع أبوظبي في حماية السيادة الوطنية، وترفض أي محاولات لزعزعة الاستقرار في منطقة الخليج العربي، وهو ما يعزز من مفهوم “الأمن الجماعي” الذي تسعى القوى الكبرى في المنطقة لترسيخه.


