تتصاعد حدة السجال في الأروقة المالية الكبرى بين نيويورك ولندن حول طبيعة الروابط الخفية بين استمرار التصعيد العسكري في الخليج والمصالح الاستثمارية لرجال الأعمال والنخب الغربية.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية الراهنة لعام 2026 عن تحولات غير مسبوقة في هندسة تدفقات رؤوس الأموال الدولية نحو قطاعات محددة اقتاتت على مشهد الدمار الإقليمي.
انتعاش مالي لقطاع الدفاع الأمريكي
وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن معهد “بروكينغز”، سجل قطاع الدفاع الأمريكي قفزة نوعية في عوائده الاستثمارية بلغت 14% خلال الربع الأخير وحده، مدفوعاً بتدفق الطلبات الضخمة على عقود الصواريخ الباليستية، والذخائر الذكية، ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة، هذا الانتعاش وضع ميزانيات شركات السلاح الكبرى في ذروة أرباحها التاريخية.
شبكات المصالح وفرضية التربح الواعي
وفي محاولة لتفكيك هذه الجدلية، يرى ديفيد شيفر، الخبير الاقتصادي لدى مؤسسة “راند”، أن الفرضية الجازمة بأن الحرب تُدار بشكل واعٍ ومخطط له سلفاً بغرض الانتفاع المالي المباشر تفتقر حتى الآن إلى الإثبات القانوني القاطع.
ويستدرك شيفر مؤكداً أن الواقع الميداني يثبت أن شبكات المصالح الخاصة ولوبيات الضغط تستغل حالة عدم اليقين الجيوسياسي بذكاء لمضاعفة هوامش أرباحها في أسواق الدفاع والسلع الأساسية.
صرخة ساندرز
سياسياً، واجه هذا المشهد انتقادات لاذعة داخل الكونغرس؛ حيث صرّح عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، بيرني ساندرز، بأن استمرار التصعيد العسكري يعكس اختلالاً بنيوياً وأخلاقياً في الأولويات الوطنية الأمريكية.
واعتبر أن السياسة الخارجية تحولت في الآونة الأخيرة إلى أداة خلفية لتعويض خسائر الشركات الكبرى وتأمين مصالح الحيتان مالياً، على حساب الاستقرار المعيشي والاقتصادي للأسر المتوسطة والفقيرة التي تواجه الغلاء.
طفرة النفط ومقصلة الشركات الصغيرة
في سياق متصل، يشير تحليل صادر عن مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة “كولومبيا” إلى أن استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة تقترب من حاجز 80 دولاراً للبرميل يخلق بيئة تشغيلية فائقة الربحية لشركات الطاقة متعددة الجنسيات.
ويمثل هذا الصعود في الوقت نفسه مقصلة حقيقية للشركات الصغيرة والمتوسطة، جراء الارتفاع الحاد في كلف الإنتاج والنقل والشحن البري والبحري.
معضلة صندوق النقد الدولي
أمام هذه المفارقة، أكدت كريستالينا جورجييفا، المستشارة الاقتصادية لصندوق النقد الدولي، أن الأسواق الغربية تواجه حالياً معضلة أخلاقية واقتصادية مزدوجة؛ حيث تتعايش أرباح قطاعية هائلة ومحصورة في أيدي نخب قليلين (في مجالي السلاح والطاقة) مع مخاطر تضخم مستدام يلتهم مدخرات الشعوب، وتعطل حاد في سلاسل التوريد العالمية يعوق نمو الاقتصاد الكلي.
ضغوط اللوبيات
كشف توماس كاروذرز، المحلل السياسي في معهد “كارنيغي”، عن فجوة عميقة بين الخطاب الغربي الرسمي والكواليس السياسية.
وقال:”فبينما تركز البيانات الرسمية أمام شاشات الإعلام على اعتبارات “الأمن القومي”، تشهد الغرف البرلمانية المغلقة ضغوطاً خانقة وتمويلاً مكثفاً من لوبيات الصناعات العسكرية (Military-Industrial Complex) التي تدفع بكل ثقلها نحو إطالة أمد التوتر الإقليمي وعرقلة أي مساعٍ جادة للحل الدبلوماسي لضمان استمرار تدفق العقود”.
الهروب من الأسواق الأوروبية
على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، يبدو القلق أكثر وضوحاً؛ إذ حذر رئيس اتحاد الغرف التجارية الأوروبية من تداعيات كارثية بعيدة المدى.
وتوقع تراجع حجم الاستثمارات الخارجية الوافدة إلى أوروبا بنسبة قد تصل إلى 7% خلال العام المقبل، ومشدداً على أن قطاع الأعمال الحقيقي لا يبحث عن قفزات ربحية مؤقتة ومستقطعة من الحروب، بل يتطلب بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ لبناء مشاريع مستدامة.
صعود التحالفات البديلة
تختتم التقارير الاستراتيجية بتحذير شديد اللهجة صادر عن مركز “تريندز” للبحوث؛ مفاده أن تحويل النزاعات المسلحة وحروب الممرات إلى “مصدر دائم للدخل” وتوليد الأرباح للنخب سيفضي حتماً إلى تشويه سمعة وصورة الرأسمالية الغربية ونموذجها الاقتصادي أمام أسواق الدول الناشئة.
وسيدفع ذلك تلك الدول بالفعل نحو صياغة تحالفات اقتصادية ونقدية بديلة (خارج العباءة الغربية) تبحث عن الاستقرار الجيوسياسي بدلاً من استثمار الأزمات والصراعات.
آخر مسمار فى نعش الرأسمالية
تثبت معطيات المشهد الحالى أن حرب الخليج وإيران أفرزت معادلة اقتصادية مشوهة تُعرف بـ “رباح الدمار”؛ فبينما تضخ غرف العمليات العسكرية المليارات في جيوب نخب السلاح والطاقة عبر قفزات النفط وعقود بروكينغز الدفاعية، يدفع الاقتصاد العالمي بمجموعه فاتورة باهظة من التضخم والركود وتراجع الاستثمار الأوروبي بمعدل 7%.
هذا الانكشاف الأخلاقي لا يهدد الاستقرار المعيشي للأسر المتوسطة فحسب، بل يسرّع من تآكل الهيمنة الغربية عبر دفع الأسواق الناشئة للهروب نحو تكتلات بديلة تبني نموها على الاستقرار، مما يعكس أن أرباح النخب الحالية قد تكون المسمار الأخير في نعش القبول الدولي للنظام الرأسمالي التقليدي.


