أثناء زيارتي ضمن وفد لجنة الأداء النقابي بـ نقابة الصحفيين المصرية، تلقيت دعوة كريمة من الجمعية الشرعية بواحة الداخلة في محافظة الوادي الجديد، لزيارة أكبر مشروع وقف خيري لزراعة 220 ألف نخلة، وذلك في إطار مبادرة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لزراعة 2.5 مليون نخلة.
كان لقائي عقب صلاة الجمعة مع الأستاذ محمد عبد الرازق، ممثل الجمعية والمشرف على المشروع، الذي اصطحبني بسيارته إلى مقر المزرعة التي تبعد نحو نصف ساعة. وعلى مدار ساعتين من الحوار الميداني، تكشّفت أمامي تجربة تنموية وخيرية فريدة تستحق أن تُروى.
مشروع وقف بحجم وطن
تقع المزرعة على مساحة إجمالية قدرها 3000 فدان، خُصص منها حتى الآن 1000 فدان، وجارٍ إنهاء إجراءات تملك المساحة المتبقية.
المشروع وقف خيري بدأ قبل نحو خمس سنوات، ويُصرف عائده على الأيتام، والأرامل، والمرضى، وذوي الاحتياجات، والراغبين في الزواج، وكافة مصارف الزكاة الثمانية، دون تفرقة بين مسلم ومسيحي من أبناء الوطن.
ويستهدف المشروع زراعة 220 ألف نخلة، ليصبح الأكبر من نوعه في مصر والشرق الأوسط.
مراحل التنفيذ
المرحلة الأولى:
زراعة 1000 فدان بإجمالي 60 ألف نخلة، بمتوسط 6000 نخلة لكل 100 فدان، وبعائد سنوي يتراوح بين 7 و8 ملايين جنيه لكل 100 فدان.
المرحلة الثانية:
إنشاء أكبر خط إنتاج متكامل يشمل المخازن والثلاجات ومحطة الفرز والتعبئة.
المرحلة الثالثة:
استكمال زراعة 2000 فدان إضافية.
وبعد عام واحد فقط من بدء الزراعة، نجح المشروع في تصدير 250 طنًا من تمور (مجدول، برحي، سقعي، سيوي، سكري) إلى إندونيسيا وماليزيا والمغرب، بما يعكس جودة المنتج وقدرته التنافسية.
تخصيص 100 فدان لكل محافظة
في خطوة تنظيمية لافتة، خصصت إدارة المشروع 100 فدان لكل محافظة من محافظات الجمهورية، لتتولى فروع الجمعية الشرعية وأبناء كل محافظة تمويل زراعة نخيلهم عبر الصدقات والتبرعات، بحيث يعود ريع كل مساحة مخصصة لهم على المستحقين من أبناء المحافظة نفسها.
وحتى الآن شاركت نحو 12 محافظة في زراعة مساحاتها كاملة، فيما خصصت محافظة الغربية 200 فدان، وتضم المائة فدان نحو 6000 نخلة، تنتج النخلة في سنواتها الأولى ما بين 150 و200 كيلو من البلح.
تخطيط علمي وبنية حديثة
أُخذت نحو 60 عينة تربة من مختلف أرجاء الأرض، وتم تحليلها في معامل جامعة أسيوط لتحديد خصائص كل قطاع واحتياجاته، وتمتد المزرعة بطول 5 كم وعرض 4.5 كم تقريبًا.
وتُروى المزرعة عبر 14 بئرًا بعمق 600 متر، مع الاعتماد على محطات طاقة شمسية بقدرة 200 كيلووات، ويُستفاد من مساحات الظل أسفلها في زراعة 6000 فسيلة ذكر، وجميع أصول التمور أورجانيك ومطابقة للمواصفات.
محطة فرز وتعبئة بمعايير عالمية
أنشأت الجمعية محطة فرز وتعبئة وتغليف متكاملة، صُممت وفق معايير سلامة الغذاء الدولية واشتراطات التصدير، تُعبأ التمور في عبوات تحمل علامة «تمور الجمعية الشرعية»، ويعمل بالمحطة 93 عاملًا وعاملة تحت إشراف ثلاثة مهندسين وخبير دائم من منظمة الفاو، إضافة إلى 25 عاملًا موسميًا يتم تدريبهم وفق أعلى المعايير.
وتوفر الإدارة نقلًا يوميًا للعاملين، وتأمينًا صحيًا واجتماعيًا لهم ولأسرهم، وصالات طعام مجهزة، إلى جانب مرافق ضيافة راقية لكبار الزوار.
صك النخلة.. صدقة تنمو
حددت الجمعية قيمة الصك الواحد لكل نخلة بألف جنيه مصري.
لكل نخلة باركود خاص مرتبط باسم الواقف، وتُسجل الفسائل الناتجة ضمن رصيده، امتثالًا لقوله تعالى: «يمحق الله الربا ويربي الصدقات».
ويحق للواقف زيارة المشروع، كما تُوثَّق الأوقاف بصكوك رسمية وإيصالات معتمدة.
باختصار: يعني ممكن تدفع 1000 جنيها مرة واحدة وتحصد 1000 حسنة يوميًا.
ازرع لنفسك قبل أن تُوارى الثرى
وفي ختام هذه الجولة التي رأيتُ فيها كيف تتحول النخلة إلى رسالة، والوقف إلى تنمية، لا يسعني إلا أن أوجّه دعوة صادقة لكل من يبحث عن صدقة جارية له ولوالديه وأهله وأحبابه.
يقول النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
والإنسان الواعي الذي يدرك أن الدنيا مراحل، وأن العمر مهما طال قصير، لا يؤجل إحسان خاتمته، ولا يرهن آخرته بظروف أبنائه أو انشغال أهله، بل يصنع لنفسه في حياته ما يظل يعمل له بعد مماته.
أن تزرع نخلة اليوم، قد يطول عمرها عشرات السنين، تؤتي أكلها كل عام، ويُصرف عائدها على يتيم أو مريض أو أرملة… فتجري لك الحسنات وأنت في قبرك.
أن تساهم في وقف منتج مستدام، فذلك استثمار أبدي لا يعرف الخسارة.
اجعل لنفسك سهمًا
ازرع نخلة باسمك، أو باسم والديك، أو عمن تحب.
اصنع صدقتك الجارية بيدك، واطمئن أن ما عند الله باقٍ، فهنيئًا لمن قدّم قبل أن يُقدَّم، وهنيئًا لمن جعل بينه وبين الآخرة عملًا لا ينقطع.






