لحظة مباركة تلك التي تجلت بطرد ميليشيا قسد من مدينة حلب، بعد أن عاثت فساداً في أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود، وامتد إجرامها إلى مجمل أحياء حلب، فقتلت عشرات الشهداء من عسكريين ومدنيين خلال الأشهر الماضية، وروّعت الأهالي في الأحياء القريبة أو البعيدة عن تمركزها، وأنشأت مناخاً من الخوف والفوضى في حلب بعدما أمِل أهلها بذهاب رائحة الحرب نهائياً عقب فرار بشار الأسد.
لقد تضمنت معركة تحرير الأشرفية والشيخ مقصود عدة مزايا، منها التأني والرويّة وعدم استعجال الحسم، إضافة إلى فتح ممرات آمنة لإخراج المدنيين، والإعلان عن المناطق العسكرية المراد استهدافها ليبتعد عنها الأهالي، فضلاً عن تحديد الأهداف العسكرية بدقة قبل الدخول للأحياء، وبذلك كان شكل المعركة أقرب إلى العملية الجراحية المُنفَّذة بعناية، وهذا يُحسَب للحكومة السورية.
إن سلوك قسد أثناء المعركة، وبعد انتهائها أيضاً، من استهداف أحياء حلب بالقذائف العشوائية والمسيرات، وضرب المباني الحكومية بالطائرات الانتحارية المُستورَدة من النظام الإيراني المجرم، ينبغي أن يعطي فكرة لحكومة دمشق في التعاطي مستقبلاً مع هذه الميليشيا التي لا تختلف بشيء عن النظام البائد، لذلك لا يجوز أن تمضي الحكومة في محاولة احتوائها ودمجها في الجيش والأمن -كما تريد الولايات المتحدة وفق اتفاق 10 آذار- فهذا الاتفاق خاطئ من أساسه، والمضي به بعد أن كشّرت قسد عن أنيابها أكثر، وزادت من إجرامها، خطأ أعظم.
ميليشيا قسد، وفق سياستها السائدة، ستبقى تماطل في تنفيذ اتفاق الاندماج، ولن تنفذ منه شيئاً مطلقاً، لأنها لا ترضى بأقل من حكم ذاتي تحت اسم “اللامركزية”، تبقى خلاله جاثمة على صدور أهل الجزيرة، وتسرق الثروات والخيرات، وتفرض فكرها الإلحادي الخبيث على أهل المنطقة، لذلك فإن أي تأخير في حسم الملف عسكرياً معها مُضِرٌّ بالبلاد وأهلها على المدى المتوسط والطويل، وسيزيد من كلفة المعركة التي ستندلع لا محالة في نهاية المطاف، مع التنويه إلى أن اقتلاع قسد سيوجه ضربة قاصمة لفلول النظام وميليشيا الهجري، إذ إن هذه الميليشيا الانفصالية تلعب دوراً كبيراً في دعمهم مادياً ومعنوياً، ما يعني أن معركة الجزيرة الفراتية ستضرب عدة عصافير بحجر واحد.. فهل تتنبّه الحكومة السورية إلى ذلك؟


