تمنح التكنولوجيا الذاكرةَ قدرةً على الاحتفاظ باللحظات، لكنها تمنح أصحاب الكاميرات أيضًا سلطةً لم تُمنح لهم بالضرورة: نقل ما جرى داخل قاعة محدودة إلى فضاء مفتوح لا يعرف الحدود.
وبين توثيق الندوات الأدبية وصون كرامة المشاركين وخصوصيتهم، يبرز سؤال يستحق النقاش: هل كل ما نراه ونسمعه في ندوة عامة يصبح مباحًا للنشر؟
الكاميرا التي لا تستأذن
كثيرًا ما أصادف على يوتيوب وفيسبوك مقاطع مصورة من ندوات شعرية وثقافية، تثير في نفسي علامة استفهام كبيرة، خصوصًا حين تُنشر كما سُجلت، بلا مونتاج أو تنقيح، وبما تحمله أحيانًا من مشاهد لا تليق بالنشر العام.
فالندوات الأدبية، على اختلاف موضوعاتها، ليست دائمًا أمسيات هادئة تسير وفق نص مكتوب؛ إذ قد تشهد مداخلات فكرية حادة، أو خلافات تحتدم بين المشاركين، أو تصرفات عابرة تصدر عن مدير الندوة أو بعض الحضور، من سرحان وتهريج واستظراف، إلى مشادات كلامية قد تتطور إلى ما هو أبعد.
تجري هذه الوقائع داخل قاعة لا يتجاوز عدد الحاضرين فيها، في الغالب، ثلاثين أو سبعين شخصًا، وتظل محكومة بسياقها المكاني والزماني، وبطبيعة اللقاء الذي جمع هؤلاء الأشخاص.
لكن المفاجأة أن يكتشف أحد المشاركين، بعد أيام أو شهور، أن كلماته وهمساته وحركاته أصبحت متاحة لملايين الناس، بعدما سجلها شخص بهاتفه المحمول، من دون أن ينتبه إليه، ثم نشرها على منصات التواصل الاجتماعي.
هنا تتجاوز المسألة حدود التصوير إلى سؤال أخلاقي عن الخصوصية، وحق الإنسان في معرفة ما يُسجل عنه، وكيف يُستخدم التسجيل، وأين يُنشر.
هل الحضور في ندوة يعني الموافقة على النشر؟
لا أعترض على تصوير الندوات الأدبية، ولا أرى أن تسجيل المهرجانات الشعرية والثقافية أمر مرفوض في ذاته؛ فالتوثيق ضرورة لحفظ الذاكرة الثقافية، وإتاحة التجارب الإبداعية لمن لم تتح لهم فرصة حضورها.
لكن ثمة فارقًا واضحًا بين تسجيل ندوة بقصد توثيقها، وبين نشر كل ما التقطته الكاميرا دون تمييز أو مراعاة للسياق.
فالحضور في فعالية عامة لا يعني بالضرورة الموافقة على نشر كل حركة أو عبارة أو موقف عابر يصدر عن الشخص، ولا يمنح المصور تفويضًا مفتوحًا بتحويل كل ما جرى إلى مادة متاحة للتداول والتعليق والسخرية.
وقد تكون هناك مداخلات تستحق النشر، وأفكار جديرة بالانتشار، وقصائد تستحق أن تصل إلى جمهور أوسع، لكن التسجيل الخام قد يضم أيضًا لحظات محرجة، أو خلافات شخصية، أو أحاديث جانبية لا قيمة ثقافية لها، ولا مصلحة في تعميمها.
ومن هنا، فإن احترام الخصوصية لا يتعارض مع حرية التوثيق، وإنما يضع لها حدودًا أخلاقية تحفظ للثقافة قيمتها، وللمشاركين كرامتهم.
الوجه الآخر للتوثيق: متعة استعادة الذاكرة
ومع ذلك، لا يمكن إنكار السعادة التي تمنحها بعض التسجيلات النادرة لأصحابها وللمهتمين بالحياة الأدبية، خصوصًا حين تعيد إلى الذاكرة وجوهًا غابت، وأصواتًا خفتت، وندوات لم يبق منها سوى ما حفظته عدسة قديمة.
وتزداد قيمة هذه التسجيلات حين تعود إلى زمن ما قبل انتشار كاميرات الهواتف المحمولة، عندما كان تسجيل أمسية شعرية يحتاج إلى معدات خاصة، وكانت شرائط الفيديو تحفظ جانبًا من تاريخ الحياة الثقافية لا يمكن استعادته بسهولة.
في هذه الحالات، يستحق من يحتفظ بهذه المواد ويتيحها للجمهور الشكر والتقدير، شريطة أن يسبق النشرَ فحصٌ واعٍ للتسجيل، وحذفُ ما لا يناسب العرض العام، حفاظًا على الأشخاص وعلى القيمة التاريخية للمادة المنشورة.
فالتسجيل القديم ليس مجرد صورة من الماضي؛ إنه وثيقة قد تكشف عن تحولات المشهد الأدبي، وعلاقات المبدعين، وطرائق الحوار، وأسماء ربما لم تعد حاضرة في الذاكرة العامة.
غير أن القيمة التوثيقية لا تعني أن كل ما تحتويه الوثيقة يجب أن يُعرض بلا استثناء، فليس كل ما حدث في الماضي صالحًا لأن يتحول إلى مادة للمشاهدة اليوم.
شرائط حلمية الزيتون: ذاكرة لا تصلح للنشر كاملة
أمتلك شرائط فيديو توثق ندوات صالون حلمية الزيتون الثقافي، خلال الفترة من عام 1998م حتى عام 2011م، وتضم عشرات الشعراء، من الراحلين والأحياء، وتحفظ جانبًا من تفاصيل الحياة الثقافية في تلك السنوات.
ومع أن هذه التسجيلات تمثل ذاكرة أدبية أعتز بها، فإنني لم أنشرها حتى الآن؛ لأنها تحتوي على مشادات وخلافات ومواقف عابرة، إلى جانب تصرفات صغيرة وتفاصيل لا تستحق أن تُستخرج من سياقها وتُعرض أمام الجمهور.
ومن بين أصحاب هذه المواقف شعراء كبار رحلوا عن عالمنا، وما زال لهم حضورهم ومكانتهم في نفوس محبيهم وقرائهم.
ولست أرى أن مكانة الشاعر تقتضي إخفاء أخطائه، أو تقديمه في صورة مثالية لا تشبه البشر؛ فالنقد حق، والتاريخ الأدبي لا ينبغي أن يتحول إلى معرض للصور المنمقة.
لكن هناك فرقًا بين دراسة موقف له دلالته في سيرة صاحبه، وبين نشر مشادة عابرة أو تصرف تافه لا يضيف شيئًا إلى معرفة الناس بأدبه، وإنما قد يتحول إلى مادة للسخرية والانتقاص.
فهل من الإنصاف أن نختزل شاعرًا ترك قصائد وتجارب أدبية في لحظة انفعال عابرة، ثم نمنح تلك اللحظة انتشارًا يفوق ما ناله إنتاجه الإبداعي؟
وهل يصبح الاحتفاظ بتسجيل قديم التزامًا بنشره كاملًا، مهما احتوى من تفاصيل لا تخدم الحقيقة التاريخية ولا تضيف إلى المعرفة الأدبية؟
إن احتفاظي بهذه الشرائط لا يعني رفض إتاحتها، وإنما يعني أن نشرها يحتاج إلى عمل تحريري مسؤول، يميز بين ما يستحق البقاء في الذاكرة الثقافية، وما ينبغي أن يظل خارج العرض العام.
المونتاج مسؤولية ثقافية وأخلاقية
إنني لا أعترض على رفع تسجيلات المهرجانات الأدبية والندوات الشعرية على يوتيوب وفيسبوك، بل أرى في ذلك فرصة حقيقية لحفظ التراث الثقافي وإيصاله إلى جمهور واسع، يتجاوز حدود المكان الذي أقيمت فيه الفعالية.
لكنني أرى أن النشر ينبغي أن تسبقه مراجعة دقيقة، ومونتاج يحذف المشاهد غير الملائمة، ويستبعد الأحاديث الجانبية والمواقف المحرجة التي لا تخدم موضوع الندوة، مع الحفاظ على جوهر النقاش وسياقه، وعدم اجتزاء كلام المشاركين بما يغيّر معناه أو يسيء إليهم.
ومن المهم أيضًا التمييز بين التوثيق الإعلامي المنظم، الذي يعرف المشاركون طبيعته وغرضه، والتسجيل الفردي الذي يتحول فجأة إلى مادة منشورة دون مراعاة لحقوق الآخرين.
فالتقنيات الحديثة جعلت التصوير والنشر متاحين للجميع، لكن سهولة النشر لا تعني أن المسؤولية أصبحت أقل، وإنما تجعل الحاجة إليها أشد إلحاحًا.
وإذا كانت بعض المواقف تستحق التوثيق لأهميتها التاريخية أو الثقافية، فإن ذلك يستدعي تقديرًا متوازنًا للمصلحة العامة، وحقوق الأشخاص المعنيين، وطبيعة المادة التي يجري نشرها.
ليس كل ما تحفظه الكاميرا جديرًا بالعرض
الذاكرة الثقافية أمانة، والكاميرا التي تحفظها ينبغي ألا تتحول إلى أداة للإحراج أو التشهير أو اقتناص العثرات.
إن قيمة الأرشيف الأدبي لا تُقاس بعدد الساعات المصورة، وإنما بما يضيفه إلى معرفة الأجيال، وما يحفظه من إبداع وتجارب وشهادات حقيقية.
ومن يملك تسجيلًا نادرًا يملك فرصة لخدمة الثقافة، لكنه يتحمل أيضًا مسؤولية الاختيار والتحرير؛ فبعض اللحظات تستحق أن تبقى في التاريخ، وبعضها لا ينبغي أن يغادر القاعة التي شهدته.
————
يسري الخطيب


