أصبحنا، رغمًا عنا، نعاني تداعيات أزمات وحروب لسنا أطرافًا مباشرة فيها، ثم نجد أنفسنا نساهم في تمويلها من جيوبنا، عبر ارتفاع الأسعار واضطراب الاقتصاد والطاقة.
وبينما نتابع عن قرب الحروب الدائرة في منطقتنا واستنزافها لمقدراتها، تتجه الأنظار أيضًا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وانعكاساتها علينا والتي دخلت مرحلة أكثر خطورة.
فروسيا بعد أربعة أعوام ونصف من الحرب لم تحقق انتصارًا حاسمًا، لكنها لا تزال تمتلك زمام المبادرة، وتتقدم ببطء في دونيتسك، مستفيدة من تفوقها في القوات والذخائر والمسيّرات.
وفي المقابل، توسع أوكرانيا ضرباتها ضد المصافي ومنشآت الطاقة داخل روسيا، لكنها لا تمتلك القدرة على استعادة الأراضي المحتلة. وهكذا تحولت الحرب إلى استنزاف متبادل، لكنه غير متكافئ.
أما التحول الأكبر فجاء من واشنطن؛ فالولايات المتحدة التي أجّجت الحرب من البداية، وقادت التحالف وموّلت أوكرانيا وسلّحتها، تحولت في عهد ترامب إلى وسيط يريد إنهاءها بأقل تكلفة أميركية، وتاجر يبيع السلاح لأوروبا كي ترسله إلى كييف.
وباتت أوروبا التي تورطت في الصراع حتى أذنيها تدفع، والشركات الأميركية تربح، والأوكرانيون يقاتلون!
وزاد مأزق أوروبا الاقتصادي والذي سيكون له تداعياته على الأوضاع السياسية لحكوماتها، بعد فشل خطة استخدام نحو 200 مليار يورو من الأصول الروسية المجمدة. فقد رفضت بلجيكا، التي تحتفظ بمعظمها عبر مؤسسة «يوروكلير»، استخدامها ضمانًا لقرض لأوكرانيا، بسبب المخاطر القانونية والمالية واحتمالات الانتقام الروسي.
فاضطر الاتحاد الأوروبي إلى الاقتراض من الأسواق لتمويل قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا خلال عامي 2026 و2027، منها نحو 60 مليارًا للاحتياجات العسكرية و30 مليارًا لدعم الموازنة.
أي إن تكلفة الحرب وموازنة أوكرانيا انتقلت من الأموال الروسية إلى ديون تضمنها الموازنة الأوروبية، ويتحمل أعباءها دافعو الضرائب الأوروبيون!
وقد أدى تمويل الحرب إلى تعميق الانقسام السياسي داخل أوروبا، وزيادة ضغوط تكاليف المعيشة، كما كشف محدودية صناعتها العسكرية. فأوروبا تستطيع اقتراض الأموال، لكنها لا تستطيع تحويلها سريعًا إلى صواريخ دفاع جوي وذخائر، أو تعويض القدرات الأميركية في الاستخبارات والأقمار الصناعية.
ومما زاد الطين بلة؛ الحرب الأميركية ضد إيران والتي استنزفت جانب كبير من مخزون صواريخ الاعتراض الغربية، بينما تكثف روسيا هجماتها على المدن والبنية التحتية الأوكرانية.
والآن قد تستطيع أوروبا منع سقوط أوكرانيا لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع، من دون الولايات المتحدة، تمكينها من تحقيق انتصار حاسم.
وهذا هو التحول الاستراتيجي الأخطر، فلم تعد غاية أوروبا الآن هزيمة روسيا واستعادة الأراضي، بل مجرد منع هزيمة أوكرانيا!
وبينما يراهن بوتين على أن تتعب أوروبا وتُستنزف أولًا، يتعامل ترامب مع الحرب باعتبارها شأنا أوروبيًا، بل وستربح منها من خلال صفقات تجارية أميركية يدفع الأوربيون ثمنها، ويدفع الأوكرانيون الثمن الأكبر من دمائهم وتدمير بنيتهم التحتية.
أما نحن، فما زلنا في موقع المفعول به في الحروب الدائرة حولنا، وندفع جزءًا كبيرًا من فواتيرها، رغم أننا لا نملك قرار إشعالها أو إيقافها.


