مع انقضاء عام ثقيل وبدء عام جديد، لا يحمل التقويم في غزة أي وعود بالخلاص، بل يفتح صفحاته على واقع أشد قسوة يعيشه الأطفال قبل غيرهم. فوفق تقديرات أممية حديثة، يواجه أربعة من كل خمسة أطفال في القطاع مستويات جوع تُصنف بأنها كارثية، في مشهد يعكس انهيارًا شبه كامل لمنظومة الأمن الغذائي، ويضع مستقبل جيل كامل على المحك.
لم يعد الجوع في غزة حالة عابرة أو أزمة موسمية، بل تحوّل إلى نمط حياة مفروض بالقوة، نتيجة حصار ممتد، وعدوان متواصل، وتعطّل شبه كلي لسلاسل الإمداد. الأطفال الذين يُفترض أن يكونوا في المدارس أو ساحات اللعب، باتوا يصطفون في طوابير طويلة بحثًا عن وجبة قد لا تكفي لسد الرمق، أو يحملون أواني فارغة في انتظار ما قد تجود به المطابخ الخيرية إن وُجدت.
التقارير الصادرة عن منظمات الإغاثة الدولية تشير إلى أن غالبية الأسر في غزة اضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية، أو الاكتفاء بأطعمة فقيرة القيمة الغذائية، فيما يُحرم آلاف الأطفال من الحليب، والبروتينات، والخضروات الأساسية، وهو ما ينعكس مباشرة على نموهم الجسدي وقدراتهم الذهنية. وتُحذّر هذه الجهات من أن سوء التغذية الحاد لم يعد خطرًا مستقبليًا، بل واقعًا حاضرًا يُسجَّل يومًا بعد يوم داخل المستشفيات ومراكز الإيواء.
الأخطر من ذلك أن الجوع يتقاطع مع أزمات أخرى لا تقل فتكًا؛ فالنقص الحاد في المياه النظيفة، وتدهور الخدمات الصحية، وانتشار الأمراض، جميعها عوامل تُفاقم من هشاشة الأطفال وتزيد من معدلات الوفيات الصامتة. وفي ظل محدودية الوقود والإمدادات الطبية، تجد المستشفيات نفسها عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية، حتى للحالات الأكثر خطورة.
ورغم التحذيرات المتكررة، لا تزال الاستجابة الدولية دون مستوى الكارثة. فالمساعدات الغذائية التي تدخل القطاع توصف بأنها غير كافية، وغير منتظمة، ولا تغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الفعلية. كما أن القيود المفروضة على حركة الإغاثة تُفرغ كثيرًا من المبادرات الإنسانية من مضمونها، وتترك الأطفال في مواجهة مصير مفتوح على كل الاحتمالات.
يدخل أطفال غزة عامهم الجديد وهم يحملون على أجسادهم النحيلة آثار الجوع، وعلى وجوههم أسئلة أكبر من أعمارهم: متى تنتهي هذه المعاناة؟ ومتى يعود الطعام حقًا طبيعيًا لا امتيازًا نادرًا؟ أسئلة لا تجد إجابة حتى الآن، في وقت يُخشى فيه أن يتحول الجوع من كارثة طارئة إلى واقع دائم، يطبع حياة جيل كامل بندوب لا تُمحى.







