منذ لحظة الصفر في الثامن والعشرين من فبراير 2026، والمنطقة تعيش على وقع طبول حرب لا تهدأ، لكنها في المقابل تشهد حرباً أخرى موازية بطلها “التصريحات المتضاربة” للرئيس دونالد ترامب “الابستينى”.
فبين ليلة وضحاها، يتحول المشهد من “انتصارات هوليودية” لإنقاذ طيارين خلف خطوط العدو، إلى تهديدات جوفاء بمسح البنية التحتية الإيرانية، في استعراض سياسي يفتقر لأدنى درجات الاتساق.
إنها اللعبة التي يمارسها ترامب، حيث تسبق “التغريدات” الوقائع الميدانية، وتصطدم الدعاية الانتخابية بحجر الزاوية في مضيق هرمز، مما يضع مصداقية واشنطن على المحك أمام الرأي العام العالمي الذي بات يفرز الحقائق من “البروباجندا” الفارغة.
أساطير الإنقاذ وتفنيد رواية “البطل المفقود”
في اليوم الـ37 للحرب، خرج ترامب ليعلن عما وصفه بـ”عملية إنقاذ جريئة وغير مسبوقة” لاستعادة طيار أمريكي من جبال إيران الوعرة، مدعياً أنها تمت بنجاح دون خسائر.
لكن هذه “الدعاية الفجة” سرعان ما اصطدمت بتقارير ميدانية كشفت عن ثمن باهظ دفعه الجيش الأمريكي؛ حيث أكدت مصادر مطلعة تفجير طائرتي نقل من طراز “إم سي 130” داخل قاعدة إيرانية نائية لمنع الاستيلاء عليهما بعد تعطلهما، في تناقض صارخ مع رواية “العودة الآمنة”.
هذا التضليل المتعمد يهدف لتغطية الفشل الاستخباراتي واللوجستي الذي رافق المهمة، وتحويل الانكسار الميداني إلى “نصر معنوي” للاستهلاك المحلي.
تهديدات “الثلاثاء الأسود” وسراب الحسم الجوي
لم يكتفِ ترامب بروايات الإنقاذ، بل انتقل لمرحلة “الوعيد الفارغ” مهدداً بأن يوم الثلاثاء سيشهد تحركات عسكرية “لا مثيل لها” تستهدف الجسور ومحطات الكهرباء الإيرانية.
هذه التهديدات التي يطلقها ترامب كل صباح وتتغير بحلول المساء، تعكس حالة من التخبط الاستراتيجي؛ فهي تارةً تلوح بالحسم العسكري وتارةً أخرى تفتح قنوات سرية عبر وسطاء من مصر وباكستان لبحث هدنة الـ45 يوماً.
إن التلويح بضرب البنية التحتية الإيرانية دون استراتيجية واضحة للخروج من المستنقع، يؤكد أن الإدارة الحالية تراهن على “الردع الكلامي” أكثر من القدرة الفعلية على تغيير الواقع الميداني الذي يزداد تعقيداً.
مقامرة “هرمز” وانهيار وعود تأمين الطاقة
يبرز كذب الرواية الرسمية بوضوح عند الحديث عن مضيق هرمز؛ فبينما يطمئن ترامب الأسواق العالمية بقدرة واشنطن على كسر الحصار الإيراني، تشير الوقائع إلى “فشل بنيوي” في المظلة الأمنية الأمريكية.
لقد تسبب إغلاق المضيق في فقدان 15% من الإمدادات العالمية وقفز بأسعار النفط نحو 120 دولاراً، وسط عجز أمريكي واضح عن حماية ناقلات النفط.
إن وعود ترامب بتأمين ممرات الطاقة تتبخر أمام ضربات المسيّرات والصواريخ العنقودية التي تطال العمق الإسرائيلي، مما يثبت أن “البروباجندا” التي تروج لقوة واشنطن المطلقة قد تآكلت تماماً تحت وطأة الاستنزاف الإيراني المستمر.
الحقيقة على ركام التضليل
في الختام، يبدو أن استراتيجية “التصريح والقيام بعكسه” التي ينتهجها ترامب منذ فبراير 2026 قد وصلت إلى طريق مسدود.
فالعالم الذي يراقب تهاوي أسعار الذهب في الداخل المصري رغم الرالي العالمي، ويتابع اشتعال الحرائق في منشآت النفط الإقليمية، لم يعد يشتري “أوهام البطولات” التي تُصاغ في البيت الأبيض.
إن الصراع الحالي أثبت أن القوة لا تُقاس بعدد الطائرات المسلحة فحسب، بل بالقدرة على قول الحقيقة في زمن الحرب.
وما لم تتوقف واشنطن عن إدارة الصراع بـ”عقلية النخاسة” والمتاجرة بالحقائق، فإن التاريخ سيسجل أن هذه الحرب لم تكن انهياراً عسكرياً فحسب، بل كانت السقوط الأخلاقي الأكبر لمنظومة ادعت حماية العالم بوعود مكبلة بالأكاذيب.


