تحت ظلال المصانع العملاقة وأبراج المال الإستراتيجية، تعيش ألمانيا صدمة كبرى هزت عرش ريادتها الأوروبية بعدما تلاشت وعود الرفاه وتحولت الماكينات التشغيلية إلى أنين اجتماعي صامت.
وانفجرت مأساة حقيقية بانهيار مستويات الدخل، مهددة قلاع الصناعة بالكساد، لتستيقظ البلاد على واقع مرير يمزق نسيجها الاقتصادي والطبقي بعنف غير مسبوق.
كشف تقرير حرره ( الاتحاد الألماني للمساواة في الرفاهية ) أن أكثر من 13 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر أو معرضون لخطره، ما يعني أن نحو 13.3 مليون شخص يعيشون في أوضاع فقر مرتبطة بالدخل.
رقم قياسي جديد
سجلت ألمانيا أعلى معدل فقر في تاريخها الحديث، مظهرة تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في أكبر سوق أوروبي بسبب القفزات الجنونية في تكاليف المعيشة وغياب التوازن المالي.
معدلات الفقر
وأكدت تقارير الرفاهية ارتفاع نسبة الاحتياج بمقدار ستة أعشار النقطة المئوية، ليصل الإجمالي إلى أكثر من ثلاثة عشر مليون مواطن يعيشون رسمياً تحت خط الفقر الفعلي.
صدمة تاريخية
ووصف اتحاد المساواة هذه النتائج بالرقم القياسي المحزن، مشيراً إلى أن المجتمع الألماني لم يشهد طوال تاريخه المعاصر مثل هذا العدد الهائل من الأفراد المتأثرين بضيق العيش.
حدود الدخل
ووفقاً للمعايير الأوروبية المعتمدة، يصنف الفرد وحيداً تحت خط الخطر بمدخول صاف يقل عن ألف وأربعمائة يورو شهرياً، بينما يقدر حد الأسرة بأربعة آلاف تقريباً.
وبحسب المعايير الأوروبية، يعد الأشخاص الذين يقل دخلهم عن 60% من متوسط الدخل بالبلاد معرضين لخطر الفقر.
ويعني ذلك أن الشخص الذي يعيش بمفرده يُصنف ضمن هذه الفئة إذا كان دخله الشهري الصافي أقل من 1446 يورو (نحو 1562 دولارا)، بينما يبلغ الحد الادنى بالنسبة لأسرة مكونة من شخصين بالغين وطفلين دون سن الـ14 نحو 3036 يورو (نحو 3279 دولارا) شهريا.
تحول سلبي
وكشفت البيانات عن تحول سلبي مفاجئ في المنحنى العام، إذ عادت الأرقام للصعود مجدداً بعد فترة تراجع مؤقت ومبشر سجلتها البلاد بين عامي عشرين وثلاثة وعشرين.
وأشار التقرير إلى أن معدلات الفقر عادت للارتفاع بعد فترة من التراجع بين عامي 2020 و2023، فيما وصفه الاتحاد بأنه “تحول سلبي في الاتجاه”.
فوارق جغرافية
وأظهر التقرير تفاوتاً هائلاً بين الولايات؛ حيث صمدت بافاريا وبادن فورتمبيرغ بفضل متانة قاعدتهما الاستثمارية، مسجلتين أدنى مستويات العوز المالي والاجتماعي مقارنة بالمناطق الأخرى حيث سجلتا 12.6% و13.2% على التوالي، مستفيدتين من قوة قاعدتهما الاقتصادية.
المدن المنكوبة
في المقابل، تصدرت مدينة بريمن قائمة المناطق الأكثر تضرراً بنسبة تجاوزت الربع، وتبعتها ولاية ساكسونيا آنهالت، ثم جاءت العاصمة برلين وهامبورغ بأرقام قياسية مقلقة.
فخ الشيخوخة
وحذر الخبراء من تحول التقدم في السن إلى شرك حقيقي للمواطنين، واصفين أوضاع المتقاعدين بالمتوترة للغاية بعدما بات الفقر يهدد واحداً من كل خمسة مسنين.
وحذر التقرير من أن التقدم في العمر قد يتحول إلى عامل يزيد من احتمالات الوقوع في الفقر، مؤكدا أن “مرحلة الشيخوخة مهددة بأن تصبح فخا للفقر”،وتشير الأرقام إلى أن نحو شخص واحد من كل 5 أشخاص تبلغ أعمارهم 65 عاما أو أكثر متأثر بالفقر أو معرض لخطره.
الفئات الضعيفة
وبينت الإحصاءات أن الأفراد المستقلين بالسكن، والأسر التي يعولها فرد واحد، وأصحاب المستويات التعليمية المتدنية هم الأكثر عرضة وتأثراً بهذه الموجة العنيفة من التدهور، وهم الأكثر عرضة للفقر بنسبة 30.3%، تليهم الأسر التي يعيلها أحد الوالدين بنسبة 28.9%، ثم أصحاب المستويات التعليمية المنخفضة بنسبة 29.1%.
حرمان هيكلي
وربط المحللون بين اتساع الظاهرة وانتشار عيوب الحرمان الهيكلي، مثل تدني جودة التعليم وصعوبة دخول سوق العمل، كاشفين أن أغلبية المتضررين يفتقرون للوظائف الثابتة، وأوضحوا أن 4 من كل 5 أشخاص متأثرين بالفقر لا يعملون.
عجز معيشي
وعجزت نسبة كبيرة من الأسر الألمانية عن تغطية الاحتياجات الأساسية اليومية، وفشلت تماماً في سداد فواتير الطاقة والتدفئة المتزايدة أو استبدال الأدوات المنزلية الضرورية والتالفة، إذ لم تتمكن 6.9% من الأسر خلال العام الماضي من تغطية نفقاتها الأساسية. وفي حالات كثيرة، عجزت هذه الأسر عن سداد فواتير الكهرباء والتدفئة المتزايدة.


