الأمة| بالنظر إلى مشروع إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان واستبدالها بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، بعد أشهر من النقاشات والتعديلات، ليس من الزاوية الحقوقية فقط، بل من زاوية المصالح السياسية والقانونية والانتخابية، يبدو إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان مجرد تعديل قانوني ذي طابع حقوقي، فالتوقيت والاصطفافات التي رافقت المشروع يفتحان الباب أمام قراءة سياسية أوسع، خصوصًا مع تزامنه مع نقاشات متوازية حول العفو العام وأوضاع السجون ومصير عدد من المحكومين في قضايا ذات حساسية سياسية وطائفية. وبينما يقدم مؤيدو إلغاء الإعدام الخطوة باعتبارها إصلاحًا تشريعيًا ينسجم مع المعايير الدولية، فإن نتائجها السياسية قد تتجاوز حدود الملف الحقوقي.
أبرز المستفيدين سياسيًا من إلغاء العقوبة هم القوى التي ترفع منذ سنوات شعار إغلاق ملف الإعدامات. ويمنح القانون هذه القوى فرصة لتسجيل إنجاز تشريعي يمكن تقديمه أمام جمهورها باعتباره انتصارًا لمبدأ حماية الحق في الحياة، خصوصًا أن لبنان كان قد توقف عمليًا عن تنفيذ أحكام الإعدام منذ سنوات، رغم استمرار المحاكم في إصدارها.
وفي المقابل، يحصل المحكومون بالإعدام وعائلاتهم على المكسب الأكثر مباشرة، لكن تأثير ذلك على الخريطة السياسية يرتبط بكون بعض ملفات الإعدام ذات خلفيات سياسية أو أمنية حساسة. فإلغاء العقوبة يزيل احتمال تنفيذ حكم الإعدام نهائيًا، ويجعل مصير هؤلاء مرتبطًا بعقوبات سالبة للحرية، ما يفتح لاحقًا مجالًا أوسع أمام النقاش حول تخفيض العقوبات أو العفو، وإن كان القانون نفسه لا يعني إطلاق سراح المحكومين.
وهنا يبرز ملف العفو العام باعتباره الحلقة الأكثر حساسية سياسيًا. فالقوى التي تضغط باتجاه عفو يشمل فئات محددة من السجناء تستطيع الاستفادة من المناخ التشريعي الجديد، لكن يجب الفصل بين القانونين. إلغاء عقوبة الإعدام لا يؤدي تلقائيًا إلى العفو أو الإفراج، إلا أن إلغاء العقوبة القصوى يغير طبيعة الخيارات القانونية المتاحة أمام الدولة في التعامل مع المحكومين، ويمنح القوى المطالبة بإعادة النظر في الأحكام مساحة سياسية أكبر للتحرك.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى القوى السياسية التي تتبنى ملف سجناء إسلاميين أو موقوفين ومحكومين في قضايا أمنية. فهذه القوى تستطيع استخدام إلغاء الإعدام ضمن خطاب أوسع يدعو إلى مراجعة الأحكام وإغلاق ملفات أمنية قديمة، خصوصًا أن قضية السجون والمحاكمات والعفو تحولت في لبنان إلى ملف سياسي له امتدادات طائفية ومناطقية.
أما القوى السنية التي تدفع باتجاه العفو العام، فقد تجد في المرحلة الجديدة فرصة لإعادة طرح الملف أمام الرأي العام باعتباره جزءًا من معالجة إرث أمني وقضائي متراكم. لكن المكسب السياسي هنا لا يأتي من إلغاء الإعدام بحد ذاته، بل من قدرة هذه القوى على ربط القانون بمطلب أوسع يتعلق بالعفو وإعادة النظر في أوضاع عدد من السجناء.
وفي المقابل، لا تبدو استفادة حزب الله من القانون مباشرة. بل إن موقفه المعارض لإلغاء عقوبة الإعدام يضعف أي قراءة تعتبر أن المشروع صُمم أساسًا لمصلحته. غير أن الحزب قد يستفيد سياسيًا من النقاش المحيط بالملف إذا نجح في استخدامه لإعادة التأكيد على موقفه من العقوبات الجنائية والسيادة القضائية، أو في حال جرى لاحقًا فتح ملف العفو العام بصورة تشمل فئات أو قضايا مرتبطة ببيئته السياسية.
وتواجه القوات اللبنانية معادلة أكثر تعقيدًا. فالتأييد المبدئي لإلغاء الإعدام يمكن أن يمنحها مساحة للتحرك داخل الخطاب الحقوقي، لكن موقفها من العفو العام يجعلها أمام اختبار سياسي مختلف. فالقانون قد يحظى بتأييدها من حيث المبدأ، بينما تظل الخلافات حول الأشخاص والملفات التي يمكن أن يشملها العفو هي العامل الأكثر تأثيرًا في موقفها السياسي.
أما الحكومة ووزارة العدل، فتبدو من أبرز المستفيدين على مستوى الصورة السياسية والدولية. إذ يمكن تقديم إلغاء عقوبة الإعدام باعتباره إصلاحًا تاريخيًا يقرّب لبنان من المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويمنح السلطة التنفيذية والتشريعية ورقة يمكن استخدامها في علاقاتها مع الدول الأوروبية والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية. وفي بلد يعاني أزمة سياسية واقتصادية ومؤسساتية عميقة، يمكن لمثل هذا القرار أن يوفر للحكومة إنجازًا إصلاحيًا واضحًا يمكن تسويقه خارجيًا.
كما تستفيد القوى المدنية والحقوقية من القانون، لأنها تحصل على نتيجة تشريعية لمعركة طويلة ضد عقوبة الإعدام. لكن المكسب السياسي لهذه القوى يظل مختلفًا عن مكاسب الأحزاب؛ فهي لا تحصل بالضرورة على نفوذ داخل السلطة، وإنما على قدرة أكبر على التأثير في النقاش العام وفي ملفات العدالة الجنائية وحقوق الإنسان.
في المقابل، قد يكون الخاسر السياسي الأبرز هو القوى التي كانت تستخدم عقوبة الإعدام كجزء من خطاب الردع الأمني. فإلغاء العقوبة يحرم هذه القوى من ورقة رمزية في مواجهة الجرائم الخطيرة والإرهاب والقتل، ويجبرها على إعادة صياغة خطابها الأمني حول العقوبات البديلة، وفي مقدمتها السجن المؤبد.
وتكشف الخريطة السياسية للملف أن المستفيد الأكبر ليس بالضرورة حزبًا بعينه، بل القوى القادرة على تحويل إلغاء الإعدام إلى جزء من صفقة سياسية أو تشريعية أوسع حول العفو العام والسجون والملفات الأمنية القديمة. فإذا بقي القانون محصورًا في إلغاء عقوبة الموت، فإن مكاسبه السياسية ستظل محدودة وموزعة بين الدولة والقوى الحقوقية والمحكومين. أما إذا اقترن لاحقًا بتسوية أوسع في ملف العفو العام، فإن ميزان المستفيدين قد يتغير بصورة كبيرة.
وبذلك، فإن قراءة القانون باعتباره انتصارًا لفريق سياسي واحد قد تكون مضللة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول عقوبة الإعدام، وإنما حول من يملك حق إعادة تعريف العدالة الجنائية في لبنان، ومن يستطيع تحويل الإصلاح الحقوقي إلى مكسب سياسي في ملفات السجناء والعفو والمصالحة السياسية. ومن هذه الزاوية، فإن المرحلة التالية لإقرار القانون قد تكون أهم سياسيًا من عملية إقراره نفسها.


