دخلت زامبيا مرحلة سياسية حساسة عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت في 13 أغسطس 2026، بعدما أثارت اعتقالات طالت شخصيات بارزة من المعارضة مخاوف أممية وحقوقية بشأن احترام الحريات السياسية وسيادة القانون، في وقت يستعد فيه الرئيس هاكايندي هيشيليما لبدء ولاية رئاسية ثانية بعد فوزه بالانتخابات.
وأعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن قلقه إزاء اعتقال شخصيات معارضة عقب الانتخابات، داعيًا السلطات الزامبية إلى ضمان احترام الإجراءات القانونية وحقوق المحتجزين، وعدم اللجوء إلى الاعتقال التعسفي، بما يتوافق مع التزامات البلاد في مجال حقوق الإنسان.
وجاء الموقف الأممي بعد عملية أمنية شهدتها العاصمة لوساكا، أعلنت السلطات الزامبية خلالها اعتقال 11 شخصًا، بينهم شخصيات مرتبطة بالمعارضة، قالت الحكومة إنهم كانوا على صلة بمخططات تمثل تهديدًا لأمن الدولة، وإن قوات الأمن عثرت بحوزتهم على أسلحة وذخائر وصفتها بأنها عسكرية. في المقابل، نفت شخصيات معارضة الاتهامات، وقالت إن العملية استهدفت معارضين سياسيين.
انتخابات حاسمة وسط توتر سياسي
كان الاقتراع الأخير اختبارًا مهمًا للرئيس هيشيليما، الذي سعى إلى الفوز بولاية ثانية بعد فترة رئاسية ركز خلالها على معالجة أزمة الديون وتحسين المؤشرات الاقتصادية في واحدة من أكبر الدول المنتجة للنحاس في أفريقيا.
وأعلنت السلطات الانتخابية فوز هيشيليما بنحو 60% من الأصوات، مقابل قرابة 38% لمنافسه الرئيسي بريان موندوبيله. لكن المعارضة رفضت النتائج، وأعلنت عزمها الطعن فيها أمام القضاء، متحدثة عن مخالفات خلال العملية الانتخابية.
وتزامن ذلك مع اضطرابات محدودة خلال عملية الفرز، دفعت اللجنة الانتخابية إلى تعليق عمليات احتساب الأصوات مؤقتًا بعد تعرض موظفين انتخابيين للعنف وسرقة أوراق اقتراع، قبل استئناف العملية لاحقًا.
وبذلك لم تعد القضية المتعلقة بالحريات السياسية منفصلة عن نزاهة العملية الانتخابية نفسها، إذ أصبحت طريقة تعامل مؤسسات الدولة مع المعارضة والأجهزة الأمنية والقضاء جزءًا من النقاش حول شرعية الانتخابات ومرحلة ما بعد الاقتراع.
اعتقالات المعارضة تفتح ملف الحريات
تأتي التطورات الأخيرة في سياق انتقادات حقوقية سابقة بشأن وضع الحريات في زامبيا.
فقد حذرت منظمة العفو الدولية، قبل الانتخابات، من اعتقال شخصيات معارضة وصحفيين، معتبرة أن بعض الإجراءات القانونية والأمنية قد تؤدي إلى تقييد حرية التعبير والنشاط السياسي، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات.
ومن أبرز الحالات التي أثارت انتقادات المنظمة اعتقال المعارض كزافييه تشونغو في مايو 2026 بعد مشاركته في مقابلة عبر بودكاست، حيث وُجهت إليه عدة اتهامات بموجب قوانين تتعلق بأمن الدولة والتحريض. وقالت منظمة العفو إن احتجازه وحرمانه من الإفراج بكفالة أثارا مخاوف بشأن مدى تناسب الإجراءات المتخذة معه وضمانات الرقابة القضائية.
كما انتقدت المنظمة في يوليو اعتقال الصحفي ماكفرسون موكوكا، معتبرة أن استخدام قانون الجرائم الإلكترونية في القضية قد يفرض تأثيرًا رادعًا على الصحافة الاستقصائية وحرية التعبير، خاصة في الفترة التي سبقت الانتخابات مباشرة.
وتشير هذه الوقائع إلى أن المخاوف المتعلقة بالحريات السياسية في زامبيا لم تبدأ بعد الانتخابات، وإنما سبقتها سلسلة من التطورات المتعلقة بالمعارضة والإعلام واستخدام التشريعات الأمنية والإلكترونية.
بين الأمن القومي والحق في المعارضة
تضع الاعتقالات الأخيرة الحكومة الزامبية أمام معادلة شديدة الحساسية.
فالسلطات تقول إن الإجراءات الأمنية تستهدف أشخاصًا يُشتبه في ارتباطهم بمخططات مسلحة تهدد أمن الدولة، وهو اتهام خطير لا يمكن تجاهله إذا ثبت بالأدلة أمام القضاء.
لكن في المقابل، فإن وجود شخصيات سياسية معارضة بين المحتجزين يفرض على السلطات مسؤولية أكبر في إثبات أن الإجراءات لا تستهدف النشاط السياسي السلمي، وأن الاتهامات تستند إلى أدلة قابلة للفحص القضائي، وليس إلى المواقف السياسية للمتهمين.
وهنا تكمن أهمية الدعوة الأممية إلى احترام الإجراءات القانونية. فالقضية لا تتعلق بمنح المعارضة حصانة من القانون، وإنما بضمان أن القانون يُطبق بصورة متساوية على الحكومة والمعارضة، وأن القضاء يظل قادرًا على مراجعة قرارات الأجهزة الأمنية بصورة مستقلة.
الإعلام والمجتمع المدني في دائرة الضغط
لا تقتصر المخاوف الحقوقية على الاعتقالات السياسية.
فقد وثقت منظمة العفو الدولية خلال الفترة السابقة للانتخابات حالات اعتقال ومضايقة لصحفيين، إلى جانب قيود على التجمعات والنشاط السياسي، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى خلق بيئة من الخوف والرقابة الذاتية.
كما أشارت المنظمة إلى أن حقوق حرية التعبير والتجمع السلمي تعرضت لضغوط، وأن أعضاء من أحزاب المعارضة تعرضوا للمضايقة والترهيب، مع استخدام قوانين النظام العام في بعض الحالات لتقييد الاحتجاجات.
وتكتسب حرية الإعلام والمجتمع المدني أهمية خاصة في مرحلة ما بعد الانتخابات، لأن الرقابة العامة على أداء الحكومة لا تتوقف بانتهاء التصويت.
فإذا تمكن الصحفيون ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية من العمل بحرية، يصبح من الممكن مراقبة أداء الحكومة ومساءلتها، بينما يؤدي تضييق المجال العام إلى تقليص أدوات الرقابة السياسية والشعبية.
الاقتصاد يضيف بعدًا آخر للأزمة
تأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه الحكومة الزامبية البناء على تحسن اقتصادي تحقق بعد أزمة ديون قاسية واجهتها البلاد.
وتُعد زامبيا من أهم منتجي النحاس في القارة الأفريقية، كما أصبحت مواردها المعدنية محورًا متزايد الأهمية في التنافس الدولي على المعادن الحيوية.
لكن التحسن الاقتصادي لا يعني بالضرورة اختفاء الضغوط الاجتماعية.
فارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة ومشكلات الطاقة وتفاوت الاستفادة من النمو الاقتصادي تظل قضايا مؤثرة في المزاج الشعبي، وهو ما انعكس خلال الانتخابات في قدرة المعارضة على استقطاب جزء مهم من الناخبين رغم فوز هيشيليما بولاية ثانية.
ومن هنا، فإن إدارة مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون مرتبطة ليس فقط بالاستقرار السياسي، وإنما أيضًا بقدرة الحكومة على تحويل التحسن الاقتصادي الكلي إلى مكاسب يشعر بها المواطنون بصورة مباشرة.
اختبار الولاية الثانية
يواجه هيشيليما الآن اختبارًا مختلفًا عن اختبار الانتخابات نفسها.
فالفوز الانتخابي يمنحه تفويضًا دستوريًا جديدًا، لكن الحفاظ على الثقة السياسية يتطلب أيضًا ضمان قدرة المعارضة على العمل، واحترام استقلال القضاء، وحماية حرية الصحافة والتجمع السلمي.
كما أن طريقة التعامل مع الطعون الانتخابية والاعتقالات الأخيرة ستحدد بدرجة كبيرة صورة الولاية الثانية للرئيس الزامبي أمام الداخل والمجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، لا تعني التحذيرات الأممية بالضرورة الحكم مسبقًا على نزاهة النظام السياسي الزامبي، لكنها تمثل إشارة إلى ضرورة أن تكون الإجراءات الأمنية والقضائية قابلة للتدقيق، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصيات سياسية معارضة.
تكشف التطورات التي أعقبت انتخابات زامبيا عن مفارقة سياسية واضحة: بلد حقق تقدمًا اقتصاديًا نسبيًا وانتقل إلى ولاية رئاسية جديدة عبر انتخابات تنافسية، لكنه يواجه في الوقت نفسه أسئلة متزايدة حول مساحة المعارضة والحريات العامة ودور الأجهزة الأمنية.
وتبقى اعتقالات شخصيات معارضة القضية الأكثر حساسية في هذه المرحلة، خصوصًا مع مطالبة الأمم المتحدة بضمان احترام الإجراءات القانونية وحقوق المحتجزين.
أما الحكومة، فتؤكد أن تحركها مرتبط بأمن الدولة واتهامات خطيرة تتعلق بأسلحة ومخططات مسلحة، وهو ما يجعل القضاء والشفافية في الإجراءات العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت القضية أمنية بحتة أم أنها ستتحول إلى أزمة سياسية أوسع.
وبالنسبة إلى زامبيا، فإن التحدي الحقيقي بعد الانتخابات لا يتمثل فقط في تثبيت نتائج الاقتراع، وإنما في إثبات أن مؤسسات الدولة قادرة على حماية الأمن من جهة، وصون التعددية السياسية والحريات العامة من جهة أخرى.
فاستقرار الديمقراطية لا يقاس فقط بمرور يوم الانتخابات، وإنما بقدرة الدولة على إدارة الخلاف بعد إعلان النتائج، وترك المجال مفتوحًا أمام المعارضة والإعلام والقضاء لممارسة أدوارهم دون خوف أو تضييق.

