: تعود قضية الهوية التعليمية في الجزائر إلى الواجهة بشكل دوري، لتعكس تشابكاً معقداً بين أسئلة اللغة والدين والانتماء الثقافي من جهة، وقضايا التحديث والتنمية من جهة أخرى. فمنذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام 1962، سعت الدولة إلى إعادة بناء الشخصية الوطنية، وكان التعليم أحد أبرز ميادين هذا المشروع.
يرتكز الإطار الدستوري لهذه الجهود على هوية ثلاثية الأبعاد. فالدستور الجزائري، وخاصة في تعديله لعام 2020، يكرس الإسلام كدين للدولة، والعربية كلغة وطنية ورسمية، مع الاعتراف بـ الأمازيغية كلغة وطنية أيضاً، تعمل الدولة على ترقيتها وتطويرها. هذا التعدد يعكس عمق التنوع الثقافي في البلاد.
أما على صعيد السياسات التعليمية، فقد شهدت العقود الماضية جهوداً واسعة لتعريب التعليم. وأشار تقرير للجزيرة نت إلى أنه على مدى ستة عقود من الاستقلال، شكلت قضية التعريب “معركة بأبعاد لغوية وثقافية وأيديولوجية وسياسية”. ورغم تعريب التعليم العام بكل أطواره والعلوم الإنسانية في الجامعات، إلا أن اللغة الفرنسية لا تزال حاضرة بقوة في قطاعات حيوية مثل الإدارة والاقتصاد والدبلوماسية، مما يجعل الجدل حول اللغة والهوية مستمراً حتى اليوم.
وفي السنوات الأخيرة، عادت هذه القضايا إلى صدارة النقاش مع اتخاذ الحكومة خطوات لتقليص النفوذ الفرنسي في التعليم، حيث شددت على منع تدريس المناهج التعليمية الفرنسية في المدارس الخاصة، مؤكدةً أنها “تطبيق للقانون الذي يفرض تدريس المناهج الجزائرية دون سواها”. هذا القرار أثار موجة من الجدل وتداولته وسائل الإعلام الفرنسية على نطاق واسع.
إلى جانب اللغة، يلعب الدين دوراً محورياً في تشكيل الهوية التعليمية. وأسهمت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في ترسيخ المرجعية الدينية الوطنية من خلال استراتيجيات متعددة، شملت توظيف خطب الجمعة والدروس المسجدية في توجيه الوعي الديني ومكافحة التطرف. ويأتي هذا في سياق مشهد ديني متنوع، تشكل فيه الزوايا والطرق الصوفية والتيارات الإصلاحية جزءاً من النسيج الاجتماعي.
ويُعد تاريخ الحركة الإصلاحية، وخاصة جهود الشيخ عبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست في 5 مايو 1931، شاهداً على الدور المحوري للتعليم الديني في مقاومة الاستعمار والحفاظ على الهوية الوطنية. وقد تخصصت الجمعية في تشييد المدارس في كل أنحاء الوطن لمواجهة الجهل الذي كرّسه الاستعمار، تاركة إرثاً تعليمياً وإصلاحياً عميق الأثر.
اليوم، مع توسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وازدياد التأثيرات الثقافية العالمية، يظل النقاش حول اللغة والقيم والانتماء في صلب المشهد الفكري والتربوي الجزائري، في مسعى دائم لتحقيق توازن بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم.







