كشفت “جمعية حقوق الإنسان في إيران“، في تقرير مروع نشرته عن تفاصيل دموية رافقت اتساع رقعة الاحتجاجات في محافظة خوزستان. واستناداً إلى مصادر محلية وتقارير ميدانية، رسمت الجمعية صورة قاتمة لما وصفته بـ “جرائم حرب” ترتكب بصمت، شملت الدفن الجماعي للجثث، اعتقال أطفال المدارس، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى معتقلات أمنية.
أفاد التقرير بأن أيام 8 و9 و10 يناير شهدت مواجهات دامية في مدن مسجد سليمان، رامز، إيذه، لالي، ودزفول. وأكدت المصادر سقوط مئات القتلى والجرحى جراء استخدام القوة المفرطة. كما وردت تقارير متطابقة عن سقوط ضحايا في مدن اميدية، شوشتر، ماهشهر، آبادان، والأهواز، وسط تعتيم إعلامي شامل.
الأهواز: مقابر جماعية ودفن بلا هوية
في واحدة من أخطر الشهادات، نقل التقرير عن سائق سيارة إسعاف في الأهواز تأكيده نقل عشرات الجثث ودفنها في مقابر جماعية بشكل سري، دون تسجيل هويات الضحايا أو إبلاغ عائلاتهم. وأشار التقرير إلى أن السلطات الأمنية تعمدت هذا الإجراء لمنع اندلاع مظاهرات جديدة أثناء مراسم التشييع ولإخفاء العدد الحقيقي للقتلى.

وفي انتهاك صارخ لحقوق الطفل، كشفت الجمعية عن اعتقال مجموعات من تلاميذ المدارس الابتدائية ونقلهم إلى سجن الأهواز المركزي (شيبان).
وأكدت المصادر المحلية أن هؤلاء الأطفال تم زجهم في أقسام مخصصة لمرتكبي الجرائم الخطيرة، في حين لا تملك عائلاتهم أي معلومات عن مصيرهم، مما أثار حالة من الذعر والغضب الشعبي.
المدارس: من التعليم إلى التعذيب
أكدت التقارير تحويل عدد من المدارس في الأهواز إلى معتقلات مؤقتة بأمر من الأجهزة الأمنية. ووفقاً لشهود عيان، لم تقتصر وظيفة هذه المدارس على الاحتجاز، بل استُخدمت كـ مراكز للتحقيق والتعذيب، في سابقة خطيرة تعكس استباحة النظام للمؤسسات المدنية والتعليمية لقمع الانتفاضة.
تضمن التقرير شهادات مقلقة حول مشاهدات بعد تاريخ 8 يناير، حيث أفاد شهود عيان بقيام مروحيات بإلقاء أكياس كبيرة في مياه خلف “سد دز”. وترجح المصادر المحلية أن تكون هذه الأكياس محملة بجثث المعتقلين أو القتلى الذين تم تصفيتهم، في محاولة لطمس أدلة الجريمة، وهو ما يعزز المخاوف بشأن مصير المفقودين.
واختتمت الجمعية تقريرها بالإشارة إلى أن قطع الإنترنت والجو الأمني الخانق يحولان دون توثيق كامل للانتهاكات، مؤكدة أن ما تم تسريبه ليس سوى غيض من فيض ما يجري في خوزستان.

وفي تحليل للوضع المتفجر في إيران، رسمت صحيفة “لوموند“ الفرنسية، بقلم كاتبها البارز آلان فراشون، صورة لنظام وصل إلى خط النهاية. وقارن الكاتب بين شتاء الثورة عام 1979 وشتاء الانتفاضة الحالي (2025-2026)، خالصاً إلى أن الفارق الجوهري يكمن في تحول الهدف: فبعد نصف قرن من الاستبداد الديني الذي انتهى إلى “كارثة”، تبدل شعار الشارع من “الموت للشاه” ليصبح “الموت لخامنئي”.
ركز محلل اللوموند علي خروج المواطنون البلوش عقب صلاة الجمعة في تظاهرات عارمة مرددين شعارات “الموت لخامنئي” و”الموت للديكتاتور”، تزامناً مع هجمات شنها الشباب الثوار على قواعد الباسيج ومراكز القمع في أصفهان وأراك وشيرا.
الرعب وتعتيم المعلومات
أشار فراشون إلى أن “ظلاً من الرعب” يخيم مرة أخرى على إيران منذ اندلاع الانتفاضة في 28 ديسمبر 2025، إثر الانهيار الدراماتيكي للعملة الوطنية.
وأكدت الصحيفة أن التعتيم الرقمي وقطع الإنترنت الذي سبق الحملة الأمنية جعل من الصعب تقدير الحجم الكامل للكارثة حتى الآن، لكن الشهادات الأولية التي تم جمعها بصعوبة بالغة تكشف عن “موجة غير مسبوقة من العنف”، حيث فتحت القوات النار على الحشود، وملأت السجون بالمعتقلين الذين يتعرضون للتعذيب والتشويه.
الحكم عبر “المجزرة”
ويرى المحلل الفرنسي أن القمع لم يعد مجرد رد فعل، بل تحول إلى “طريقة حكم” بحد ذاتها لنظام الملالي.
وكتب فراشون: “النظام يدافع عن وجوده بانتظام عبر قتل المتظاهرين في الشوارع.. إنه لم يعد يحكم إلا بالقمع”. واستشهد برقم مفزع للدلالة على دموية المشهد: “أكثر من 2000 عملية إعدام في عام 2025 وحده.. هذا الرقم بحد ذاته علامة فارقة”.
واعتبر أن “نطاق المذبحة يعكس حجم الخوف الذي يتملك النظام، وفي الوقت نفسه يبرز الشجاعة الهائلة للإيرانيين في مواجهة مثل هذه السلطة”


