لم تعد المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أُطلقت خلال الحرب، وإنما بحجم الأضرار التي أصابت البنية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ومدى قدرة طهران على اختراق منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي التي اعتمدت عليها واشنطن لعقود لحماية قواعدها وانتشارها العسكري في المنطقة.
وكشف تحقيق لوكالة أسوشيتد برس، استند إلى تحليل صور الأقمار الصناعية وشهادات مسؤولين عسكريين وإقليميين، عن تعرض 26 قاعدة عسكرية وموقعاً يضم معدات أمريكية لأضرار أو تدمير نتيجة أكثر من 115 هجوماً بصواريخ وطائرات مسيّرة، تبنتها إيران أو جماعات مدعومة منها، حتى أغسطس الماضي.
وتشير نتائج التحقيق إلى أن حجم الخسائر المادية بلغ مليارات الدولارات، وأن الاستهداف الإيراني لم يكن عشوائياً، بل اتبع نمطاً بدأ بضرب الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر، قبل الانتقال إلى الطائرات والمستودعات ومنشآت الاتصالات ومرافق إقامة الجنود.
الرادارات.. نقطة البداية
تكمن أهمية ما كشفه التحقيق في طبيعة الأهداف التي اختارتها إيران خلال المرحلة الأولى من المواجهة. فقد ركزت الضربات على الأنظمة المسؤولة عن اكتشاف الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة، وهي الأنظمة التي تمثل خط الدفاع الأول عن القواعد الأمريكية.
واستهدفت الهجمات منشآت الرادار في معسكر عريفجان بالكويت ومنشأة الدعم البحري في البحرين، كما طالت رادارات متنقلة في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية وقاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن.
وقال جون جينزن جونز، مدير شركة خدمات أبحاث التسليح، إن إيران أعطت الأولوية لضرب العمود الفقري لمنظومة الدفاع الجوي الأمريكية، مستهدفة رادارات الإنذار المبكر التي يصعب إصلاحها أو استبدالها وتصل تكلفتها إلى مستويات مرتفعة.
ومن أبرز الخسائر رادار تعرض للتدمير في الأردن، قالت الشركة المصنعة له، رايثيون، إنه واحد من 13 راداراً فقط يمتلكها الجيش الأمريكي على مستوى العالم، فيما تشير وثائق الميزانية إلى أن تكلفة الوحدة الواحدة تقارب نصف مليار دولار.
الكويت والسعودية والبحرين في دائرة الاستهداف
كانت الكويت الأكثر تعرضاً للهجمات وفق التحقيق، إذ تعرضت قاعدة علي السالم الجوية للقصف 30 مرة على الأقل، ما أدى إلى تدمير أو إلحاق أضرار بما لا يقل عن 15 حظيرة للطائرات، إلى جانب مستودعات ومنشآت أخرى.
كما تعرض معسكر بوهرينغ لأضرار واسعة، شملت منشآت تستخدمها القوات الأمريكية، بينها صالة رياضية ومرافق تخزين ومبانٍ خدمية.
وفي الأول من مارس، قُتل ستة جنود أمريكيين إثر هجوم بطائرة مسيّرة استهدف ميناء الشعيبة الكويتي، في واحدة من أكثر الهجمات دموية على القوات الأمريكية خلال الحرب.
أما في السعودية، فقد تعرضت قاعدة الأمير سلطان الجوية لأضرار طالت طائرة استطلاع أمريكية من طراز بوينغ إي-3 سينتري، كما تحدث مسؤول عسكري إقليمي عن تضرر طائرات أخرى، بينها طائرتان للتزود بالوقود، ومنشآت لإقامة الجنود وقاعات للطعام.
وفي الإمارات، تعرضت قاعدة الظفرة الجوية لهجمات متكررة ألحقت أضراراً بحظائر الطائرات ومنظومات الرادار وطائرات الاستطلاع المسيّرة.
وامتدت الأضرار إلى منشآت الاتصالات عبر الأقمار الصناعية ومستودعات في البحرين، بما يكشف اتساع نطاق الأهداف التي طالتها الضربات.
واشنطن تعترف بالقوة وتتحفظ على الخسائر
في مواجهة هذه المعلومات، أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية شون بارنيل أن القوات والقواعد الأمريكية تتمتع بحماية جيدة، وأن الجيش الأمريكي أصبح أقوى من أي وقت مضى.
لكن التحقيق أشار، نقلاً عن مسؤولين إقليميين، إلى أن الولايات المتحدة نقلت عدداً من أصولها العسكرية خارج بعض المواقع في المنطقة، بما يشمل طائرات وأنظمة دفاع جوي واتصالات ومعدات ضرورية لتشغيل القواعد.
كما لفت التحقيق إلى أن محدودية المعلومات الرسمية وتأخر إتاحة صور الأقمار الصناعية جعلا تقدير حجم الأضرار أكثر صعوبة.
من جانبه، قال رافائيل كوهين، مدير برنامج الأمن القومي في كلية راند للسياسة العامة، إن طبيعة الحروب الحديثة تجعل جميع الجيوش عرضة لهجمات واسعة النطاق باستخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة.
وتكشف هذه الرؤية عن تحدٍ يتجاوز المواجهة الإيرانية الأمريكية، يتعلق بقدرة المنشآت العسكرية الثابتة على الصمود أمام أسلحة أقل تكلفة وأكثر قدرة على الوصول إلى أهداف حساسة.
القواعد الأمريكية ومستقبل الوجود العسكري
لا تتوقف تداعيات هذه الخسائر عند تكلفة إصلاح المنشآت واستبدال المعدات، بل تمتد إلى طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، ومدى قدرة واشنطن على الاعتماد على قواعد ثابتة داخل دول المنطقة في ظل استمرار التهديدات الصاروخية والمسيّرة.
كما تضع هذه التطورات الدول المستضيفة للقواعد أمام معادلة أمنية معقدة؛ فوجود المنشآت العسكرية الأمريكية لا يعني بالضرورة توفير الحماية الكاملة، وقد يجعل بعض المواقع ضمن دائرة الاستهداف خلال أي مواجهة إقليمية جديدة.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل رفض دول المنطقة الهجمات التي تطال أراضيها، باعتبارها انتهاكاً للسيادة الوطنية والقانون الدولي، فضلاً عن المخاطر التي تهدد المدنيين والمنشآت الحيوية والاستقرار الاقتصادي.
في رأيي
ما كشفه التحقيق يمثل مؤشراً مهماً على التحول في طبيعة المواجهات العسكرية بالشرق الأوسط. فالقوة العسكرية لم تعد مرتبطة فقط بحجم الأساطيل والطائرات المتطورة، وإنما بمدى القدرة على حماية هذه المعدات والمنشآت من هجمات منخفضة التكلفة وعالية التأثير.
والأكثر أهمية أن استهداف الرادارات وأنظمة الإنذار المبكر يكشف أن المعركة بدأت من محاولة إضعاف قدرة الخصم على الرصد والاعتراض، قبل توسيع نطاق الضربات إلى بقية المنشآت العسكرية.
لكن الخسائر الأمريكية، مهما بلغ حجمها، لا تعني وحدها حسم المواجهة أو تغيير موازين القوى بصورة نهائية، كما أن استمرار الهجمات يرفع مخاطر التصعيد على جميع دول المنطقة.
إن الدرس الأهم لدول الشرق الأوسط هو أن أمنها لا ينبغي أن يظل رهناً بوجود قواعد عسكرية أجنبية، وأن بناء منظومة أمن إقليمي مشتركة، تقوم على احترام السيادة وتجنب الحروب وتسوية النزاعات بالحوار، أصبح ضرورة لحماية الأوطان من دفع ثمن صراعات لا تتحكم وحدها في مساراتها.


