لم يعد ارتفاع عوائد السندات الحكومية في الاقتصادات الكبرى مجرد حركة مؤقتة مرتبطة بتقلبات الأسواق، بل تحول خلال عام 2026 إلى اتجاه واسع فرض نفسه على حسابات الحكومات والمستثمرين والبنوك المركزية.
فقد ارتفعت عوائد السندات لأجل عشر سنوات في دول مجموعة السبع بنحو نقطة مئوية في المتوسط خلال العام، ما يعني ارتفاع تكلفة تمويل الديون الحكومية في وقت تواجه فيه معظم الاقتصادات ضغوطًا مالية متزايدة.
وتكمن صعوبة تفسير هذا التحول في أن ارتفاع العوائد لا يرتبط بعامل واحد. فهناك مزيج من تغير توقعات أسعار الفائدة، والضغوط التضخمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، وزيادة احتياجات الحكومات إلى الاقتراض، إلى جانب تغير تركيبة المستثمرين في أسواق السندات.
الفائدة تعيد رسم خريطة سوق السندات
العامل الأكثر وضوحًا يتمثل في تغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة الأمريكية. ففي بداية العام، كانت الأسواق تراهن على إمكانية خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى مستويات تقارب 3%، وهو ما كان سيشكل دعمًا قويًا للسندات ويضغط على عوائدها إلى أسفل.
لكن هذه التوقعات تغيرت بصورة كبيرة مع مرور العام. وأصبح المستثمرون يتوقعون بقاء أسعار الفائدة عند مستويات أعلى لفترة أطول، نتيجة استمرار مخاطر التضخم وتغير الظروف الاقتصادية العالمية.
وتتحرك أسعار السندات والعوائد في اتجاهين متعاكسين؛ فعندما يتوقع المستثمرون فائدة أعلى، تصبح السندات القديمة ذات العائد الأقل أقل جاذبية، فتتراجع أسعارها وترتفع عوائدها. ولذلك فإن مجرد إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية يمكن أن يفسر جانبًا مهمًا من الصعود الذي شهدته الأسواق.
الحرب مع إيران تضيف ضغطًا جديدًا
لم تكن السياسة النقدية العامل الوحيد. فقد أدى التصعيد العسكري المرتبط بالحرب مع إيران إلى زيادة المخاوف بشأن أسعار الطاقة، ولا سيما النفط، الأمر الذي أعاد التضخم إلى صدارة اهتمامات المستثمرين.
ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر تأثيره على تكلفة الوقود، بل يمكن أن ينتقل إلى تكاليف النقل والإنتاج والسلع والخدمات. وهذا يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر تعقيدًا: فإذا ارتفع التضخم أو ظل مرتفعًا، تصبح إمكانية خفض أسعار الفائدة أقل، حتى لو كان الاقتصاد يحتاج إلى سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
ومن هنا اكتسبت السندات الحكومية علاوة مخاطر إضافية. فالمستثمر الذي يشتري سندًا طويل الأجل يريد تعويضًا عن احتمال أن تكون أسعار الفائدة والتضخم أعلى مما كان متوقعًا عند شراء السند.
الحكومات تنافس القطاع الخاص على الأموال
هناك بعد آخر يرتبط بما يمكن وصفه بـ«الحرب على رأس المال». فالحكومات في الاقتصادات الكبرى تحتاج إلى تمويل مستويات مرتفعة من الإنفاق والعجز وإعادة تمويل الديون القائمة، بينما تحتاج الشركات بدورها إلى كميات كبيرة من رأس المال، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وعندما يرتفع الطلب على التمويل في الوقت نفسه من الحكومات والشركات، تصبح المنافسة على الأموال أكثر حدة. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض، خصوصًا إذا لم يكن المعروض من رأس المال كافيًا لمواكبة الطلب.
لكن من الخطأ تحميل طفرة الذكاء الاصطناعي وحدها مسؤولية ارتفاع عوائد السندات العالمية. فاستثمارات شركات التكنولوجيا تمثل جزءًا من الصورة، لكنها لا تفسر بمفردها التحول الكبير الذي شهدته أسواق الدين السيادي.
الديون الحكومية تحت أنظار المستثمرين
أصبحت الأوضاع المالية للحكومات عاملًا أكثر أهمية في تحديد مستويات العوائد. وتبرز الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان بين الدول التي تواجه مزيجًا من مستويات الدين المرتفعة أو الضغوط السياسية والمالية.
في الظروف الطبيعية، يستطيع المستثمرون التعامل مع ارتفاع الدين الحكومي باعتباره مسألة طويلة الأجل. لكن عندما تتزايد احتياجات الاقتراض بالتزامن مع ارتفاع أسعار الفائدة، فإن تكلفة خدمة الدين تصبح أكثر وضوحًا في الموازنات العامة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الأسواق تتوقع تخلف هذه الدول عن سداد ديونها. الفارق مهم بين ارتفاع العائد بسبب زيادة المخاطر المالية وبين الاعتقاد بأن الدولة أصبحت غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها. والمؤشرات الحالية تعكس بصورة أكبر طلب المستثمرين على عائد أعلى مقابل الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل في بيئة مالية ونقدية أكثر صعوبة.
صناديق التحوط تغير سلوك السوق
العامل الأقل وضوحًا يتعلق بتركيبة المستثمرين. فقد أصبح لصناديق التحوط حضور أكبر في أسواق السندات الحكومية، بالتزامن مع تراجع نسبي في الدور التقليدي لصناديق التقاعد وشركات التأمين.
وقد يؤدي تغير قاعدة المستثمرين إلى زيادة حساسية السوق للتحركات السريعة. فصناديق التحوط تميل في بعض استراتيجياتها إلى التداول النشط والاستفادة من فروق الأسعار وتغيرات العوائد، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تضخيم الاتجاهات القائمة عندما تتحرك الأسواق بقوة في اتجاه معين.
وفي المقابل، كان المستثمرون التقليديون في السندات يمثلون مصدرًا أكثر استقرارًا للطلب، بسبب طبيعة التزاماتهم طويلة الأجل. لذلك فإن تغير مزيج المشترين والبائعين قد يكون أحد الأسباب التي تفسر لماذا أصبحت تحركات العوائد أكثر حدة مما كانت عليه في فترات سابقة.
الولايات المتحدة ليست الحالة الوحيدة
اللافت أن ارتفاع العوائد لم يقتصر على سوق واحدة. فقد امتد الاتجاه إلى الاقتصادات الكبرى، وإن بدرجات متفاوتة، وهو ما يشير إلى وجود عوامل عالمية مشتركة.
ويظل مسار الفائدة الأمريكية ذا تأثير واسع، لأن عوائد سندات الخزانة الأمريكية تشكل مرجعًا أساسيًا لتسعير الأصول المالية حول العالم. وعندما ترتفع العوائد الأمريكية، يصبح المستثمرون في الدول الأخرى مطالبين بتقديم عوائد أكثر جاذبية للاحتفاظ بسنداتهم، خصوصًا عندما تكون المخاطر السياسية أو المالية أعلى.
لكن الاختلاف بين الدول يظل مهمًا. فالدول التي تتمتع بمالية عامة أكثر استقرارًا أو بطلب محلي قوي على سنداتها قد تتعرض لضغوط أقل من دول تواجه ارتفاعًا سريعًا في احتياجات التمويل أو شكوكًا بشأن مسار السياسة المالية.
ماذا يعني ذلك للاقتصادات؟
ارتفاع العوائد يحمل آثارًا مباشرة على الحكومات. فكلما ارتفعت تكلفة الاقتراض، أصبحت خدمة الدين أكثر تكلفة، ما يترك مساحة أقل للإنفاق على الاستثمار والخدمات العامة أو لمواجهة أزمات اقتصادية جديدة.
وقد يمتد التأثير إلى القطاع الخاص. فعوائد السندات الحكومية تعد مرجعًا مهمًا لتكلفة التمويل في الاقتصاد، ولذلك يمكن أن تؤدي الزيادة المستمرة فيها إلى ارتفاع تكاليف القروض العقارية وقروض الشركات وتمويل المشروعات.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تؤثر العوائد المرتفعة في تقييمات الأسهم، خصوصًا شركات التكنولوجيا التي تعتمد قيمها السوقية بدرجة كبيرة على توقعات أرباح مستقبلية بعيدة. وكلما ارتفع معدل الخصم المستخدم لتقييم تلك الأرباح، زادت الضغوط على التقييمات المرتفعة.
هل يستمر ارتفاع العوائد؟
يبقى مستقبل العوائد مرتبطًا بعدة متغيرات. فإذا تراجعت أسعار الطاقة وانحسرت الضغوط التضخمية، فقد تستعيد الأسواق توقعاتها بشأن خفض أسعار الفائدة، وهو ما يمكن أن يخفف الضغط على السندات.
أما إذا استمر التضخم مرتفعًا، وظلت الحكومات بحاجة إلى الاقتراض بكثافة، واستمرت الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا، فقد تبقى العوائد عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
والخلاصة أن ما يحدث في سوق السندات يعكس تغيرًا أوسع في البيئة الاقتصادية العالمية. فالعالم ينتقل من مرحلة كانت فيها أسعار الفائدة المنخفضة والسيولة الوفيرة عاملين أساسيين في دعم السندات، إلى مرحلة تتنافس فيها الحكومات والشركات على رأس المال في ظل مخاطر تضخمية وجيوسياسية أكبر.
وبحسب التحليل الذي نشرته فايننشال تايمز، فإن السؤال لم يعد فقط لماذا ارتفعت العوائد، بل إلى أي مدى يمكن للاقتصادات الكبرى تحمل بقائها مرتفعة. فالثقة في قدرة البنوك المركزية على السيطرة على التضخم لا تزال قائمة، لكن ارتفاع تكلفة الاقتراض يضع الحكومات والمستثمرين أمام اختبار مالي جديد، قد تصبح تداعياته أكثر وضوحًا إذا استمرت أسعار الفائدة والعوائد المرتفعة لسنوات وليس لأشهر.


