في نظري، لم يعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذلك الرجل الذي يستطيع فرض إيقاعه على العالم كما كان في السابق. أرى بوضوح أن مشروعه في الشرق الأوسط يتهاوى، وأن الحرب الدائرة مع إيران كشفت حدود القوة الأمريكية، بل وعرّت هشاشة الرؤية التي اعتمد عليها في إدارة الصراع. لم تعد المسألة مجرد خلاف سياسي، بل تحوّلت إلى أزمة ثقة داخلية وخارجية تهدد مستقبله السياسي.
أراقب المشهد من زاوية مختلفة؛ فالتأثيرات الاقتصادية للحرب لم تبقَ بعيدة عن الشارع الأمريكي. التضخم، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد القلق من انخراط طويل في صراع مكلف، كلها عوامل دفعت قطاعات واسعة من الأمريكيين إلى الخروج في مظاهرات غاضبة. هذه الاحتجاجات، التي امتدت إلى محيط البيت الأبيض وحتى قرب منزل ترامب، ليست مجرد تعبير عابر، بل مؤشر واضح على تآكل شعبيته في الداخل.
من وجهة نظري، الخطأ الأكبر الذي وقع فيه ترامب هو محاولته جرّ دول الخليج إلى تمويل الحرب مقابل ما أسميه «حماية وهمية». هذا النهج لم ينجح في إقناع الجميع، بل خلق حالة من التردد والقلق لدى الحلفاء الذين بدأوا يدركون أنهم قد يكونون جزءًا من معادلة خاسرة. وهنا أتفق جزئيًا مع ما قاله الخبير السياسي ريتشارد هاس، الذي يرى أن “سياسات الضغط دون أفق دبلوماسي واضح تؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية.
الأخطر في تقديري أن ترامب لم يعد عبئًا على الأمريكيين وحدهم، بل أصبح عبئًا على العالم بأسره. فسياساته المتقلبة، وانسحابه من التزامات دولية، وتخليه عن حلفاء تقليديين في أوروبا خلال الحرب في أوكرانيا، كلها عوامل أضعفت الثقة في القيادة الأمريكية. حتى في الخليج، الذي ظن أنه بمنأى عن التهديدات، بدأت الصواريخ المرتبطة بالصراع تفرض واقعًا جديدًا.
أجد نفسي متفقًا مع تحذيرات جوزيف ناي، الذي أكد أن «القوة الناعمة للولايات المتحدة تتآكل عندما تتحول سياساتها إلى مجرد استعراض للقوة دون شرعية دولية». وهذا بالضبط ما يحدث الآن؛ فالعالم لم يعد يرى في واشنطن ذلك القائد المتزن، بل لاعبًا قد يجر الجميع إلى حافة الهاوية.
لماذا أصبح ترامب عبئًا؟ في تقديري، لأنه يتعامل مع العالم بعقلية الصفقات لا بعقلية التوازنات. هو مستعد لدفع الأمور إلى أقصى درجات التصعيد بحثًا عن نصر سريع، حتى لو كان الثمن فوضى دولية. وهذا ما أشار إليه أيضًا السيناتور بيرني ساندرز، حين قال إن “السياسات العدوانية غير المحسوبة تضع الولايات المتحدة في مسار خطير.
اللافت أن الداخل الأمريكي نفسه بدأ يعترف، ولو بشكل غير مباشر، بأن الحرب الدائرة لم تحقق أهدافها. أصوات داخل الكونغرس، وأخرى في مراكز الأبحاث، تتحدث عن خسائر استراتيجية، وعن غياب رؤية واضحة للخروج من الأزمة. ومع ذلك، يصر ترامب على الهروب إلى الأمام، رافضًا الاعتراف بالواقع.
أرى أن ترامب يبحث عن نصر بأي ثمن، حتى لو كان هذا النصر وهميًا أو مؤقتًا. لكنه لا يدرك أن الزمن تغيّر، وأن العالم لم يعد يقبل بسياسات الهيمنة التقليدية. هذا ما يجعلني أقول بثقة إنه انتهى سياسيًا، حتى وإن استمر شكليًا في المشهد.
في النهاية، أعتقد أن الأسباب التي تدفع نحو نهاية ترامب كثيرة ومتراكمة: غضب داخلي، تراجع دولي، فقدان ثقة الحلفاء، وتكلفة اقتصادية باهظة. كل ذلك يجعل من استمراره خطرًا ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على استقرار العالم.
من موقعي كمراقب، أرى أن لحظة الحسم تقترب، وأن العالم بدأ يبحث عن بديل أكثر توازنًا وعقلانية. أما ترامب، فقد تحول من صانع أزمات إلى رمز لمرحلة يجب أن تنتهي.


