تتسع رقعة الحرب في الشرق الأوسط بصورة متسارعة، مع انتقال تداعيات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من مضيق هرمز والخليج إلى البحر الأحمر والعراق والسعودية ولبنان، وصولًا إلى البحر المتوسط، في تطور ينذر بتحول الصراع من مواجهة محدودة نسبيًا إلى أزمة إقليمية متعددة الجبهات تهدد طرق التجارة والطاقة والبنية التحتية الحيوية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت لا تزال فيه مضيق هرمز تمثل مركز الثقل الرئيسي للحرب، بعدما تسببت المواجهات التي بدأت في 28 فبراير في تعطيل حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. وكان المضيق ينقل قبل الحرب نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب مستمر فيه ذا تأثير مباشر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
هرمز.. المعركة الأهم على طرق الطاقة
أصبحت السيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز أحد الأهداف الرئيسية في الصراع، مع سعي إيران إلى فرض ترتيبات جديدة على حركة السفن، بينما ترفض الولايات المتحدة أي قيود على المرور وتتمسك بإبقاء الممر مفتوحًا أمام الملاحة الدولية.
وأدى تراجع حركة السفن إلى مستويات متدنية للغاية، فيما لجأت بعض الناقلات إلى عمليات نقل من سفينة إلى أخرى خارج المضيق لتقليل المخاطر، خصوصًا قبالة السواحل العمانية في خليج عمان. وتظهر بيانات تتبع الملاحة أن بعض شحنات الطاقة باتت تسلك مسارات بديلة أو تستخدم ترتيبات بحرية أكثر تعقيدًا لتجنب العبور المباشر في مناطق الخطر.
وتزامن ذلك مع استمرار الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، ما أدى إلى إبقاء أسواق الطاقة في حالة توتر، ورفع المخاوف من أن يمتد أثر إغلاق أو تعطيل هرمز إلى التضخم والنقل والتجارة العالمية.
الحوثيون يفتحون جبهة البحر الأحمر
لم تعد تداعيات الحرب محصورة في الخليج، إذ دخل الحوثيون في اليمن على خط المواجهة بصورة أكثر مباشرة، معلنين حصارًا بحريًا على السعودية، فيما تعرضت ناقلات مرتبطة بالنفط السعودي لهجمات في البحر الأحمر.
وتسببت تهديدات الجماعة في دفع عدد من السفن إلى تغيير مساراتها أو تجنب مضيق باب المندب، الذي يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة رئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا.
وأظهرت بيانات الملاحة الحديثة تراجعًا في حركة العبور، فيما أقدمت ناقلات تحمل نفطًا سعوديًا على الخروج من البحر الأحمر في ظروف أمنية معقدة، مع لجوء بعضها إلى إخفاء إشارات التتبع الخاصة بها أثناء الرحلة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للسعودية، التي تعتمد على مسارات بديلة لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، أبرزها خط أنابيب شرق-غرب، الأمر الذي يجعل أي تهديد للبحر الأحمر أو البنية التحتية المرتبطة به ذا تأثير مباشر على أمن صادراتها.
كما تحدثت تقارير عن استعداد السعودية لعملية عسكرية أوسع ضد الحوثيين، بالتوازي مع تحركات لتشكيل ترتيبات بحرية متعددة الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
العراق يتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة
وفي العراق، انتقلت المواجهة من حرب النفوذ غير المباشر إلى عمليات عسكرية مرتبطة مباشرة بالتوتر الإقليمي.
وقالت السعودية إن طائرات مسيرة أطلقت من الأراضي العراقية استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية، واتهمت جماعات مدعومة من إيران بالوقوف وراء الهجمات.
وردت الولايات المتحدة والسعودية بضربات ضد جماعات مرتبطة بإيران داخل العراق، في تصعيد أثار اعتراض الحكومة العراقية التي تجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية بين علاقتها الأمنية مع واشنطن وصلاتها السياسية والأمنية مع طهران.
ويزداد الموقف العراقي تعقيدًا مع اقتراب الموعد المعلن لخروج القوات الأمريكية من العراق بنهاية سبتمبر المقبل، وفق ما أعلنته بغداد وواشنطن في يوليو. ويهدد تصاعد المواجهة الإقليمية بإرباك هذا المسار وإعادة ملف الوجود العسكري الأمريكي إلى صدارة الخلافات السياسية والأمنية داخل العراق.
هجوم دمياط.. الحرب تقترب من قناة السويس
وجاء التطور الأكثر حساسية بالنسبة لمصر مع تعرض سفينتين للغاز الطبيعي في ميناء دمياط على البحر المتوسط لحريق بعد هجوم بطائرة مسيرة.
وأكدت الحكومة المصرية، الخميس، أن التحقيقات الأولية خلصت إلى أن طائرة مسيرة تسببت في الحريق الذي اندلع في السفينتين، في حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن. وأثار الحادث مخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى مناطق قريبة من قناة السويس، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
وتكتسب الواقعة أهمية استثنائية لأن مصر كانت حتى الآن بعيدة عن الانخراط العسكري المباشر في الحرب، كما أن قناة السويس وخط أنابيب سوميد يمثلان مسارين مهمين لصادرات الطاقة السعودية المتجهة إلى الأسواق العالمية بعد اضطراب المرور عبر هرمز والبحر الأحمر.
وفي حال تكررت الهجمات قرب الموانئ المصرية أو منشآت الطاقة، فإن المخاطر لن تقتصر على الأمن المصري، بل قد تمتد إلى حركة التجارة العالمية وتكلفة نقل الطاقة والتأمين البحري.
لبنان.. هدنة هشة وقابلية عالية للاشتعال
وفي شمال المنطقة، لا تزال الجبهة اللبنانية الإسرائيلية تعيش على وقع هدنة هشة وترتيبات أمنية لم تكتمل.
وتضمن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية ترتيبات تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق في جنوب لبنان، مقابل مسار مرتبط بنزع سلاح حزب الله وإعادة تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على الجنوب.
غير أن تنفيذ هذه الترتيبات يواجه عقبات سياسية وأمنية كبيرة، خصوصًا مع رفض حزب الله التخلي بسهولة عن سلاحه، ما يجعل الجبهة اللبنانية قابلة للاشتعال مجددًا إذا توسعت الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة أو تعرضت المصالح الإيرانية وحلفاؤها في المنطقة لضربات جديدة.
وتزداد خطورة هذا المسار لأن أي عودة إلى القتال في لبنان لن تبقى بالضرورة محصورة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بل قد تتقاطع مع الجبهات العراقية واليمنية والخليجية في إطار أوسع من حرب المحاور.
خريطة جديدة للصراع
المشهد الحالي يكشف أن الحرب لم تعد تدور حول موقع جغرافي واحد، بل باتت شبكة مترابطة من الجبهات العسكرية والاقتصادية والبحرية.
ففي الخليج، تظل هرمز نقطة الاختناق الأكبر، بينما يتحول باب المندب إلى جبهة ضغط على صادرات السعودية وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا. وفي العراق، تتداخل ضربات الفصائل مع الحسابات الأمريكية والسعودية والإيرانية، بينما جعل هجوم دمياط البحر المتوسط جزءًا من معادلة المخاطر الجديدة، في وقت يبقى فيه لبنان جبهة قابلة للاشتعال في أي لحظة.
والأخطر أن تزامن هذه الجبهات يرفع تكلفة أي خطأ عسكري أو عملية انتقامية، لأن ضربة واحدة قد تؤدي إلى سلسلة ردود متلاحقة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ثم المتوسط، وتدفع دولًا كانت تحاول تجنب الحرب إلى إعادة حساباتها الأمنية والعسكرية.
وبذلك، لا تبدو أزمة الشرق الأوسط الحالية مجرد مواجهة أمريكية إيرانية مباشرة، وإنما صراعًا تتوزع آثاره على شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء والممرات البحرية ومنشآت الطاقة، الأمر الذي يجعل مستقبل الملاحة العالمية وأسواق النفط والغاز مرتبطًا بصورة متزايدة بمسار هذه الحرب وقدرة الأطراف على منعها من التحول إلى مواجهة إقليمية شاملة.


