(مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا) (الأحزاب – 23)
– في مثل هذا اليوم، رحلَ عن الدنيا، الداعية الرباني، أسد الدعوة، ومزلزل أركان الطغاة، وأحد فرسان هذا الزمان وأيقونته المضيئة الخالدة: خطيب ومؤسس مسجد التوحيد بغمرة (امتداد شارع رمسيس)..الشيخ العلّامة المهندس “فوزي السعيد” الذي كانَ أُمّةً وَحْدَهُ..
– م. فوزي سعيد سيّد أحمد
– الميلاد: 1945م، قرية عرب الرمل، قويسنا، المنوفية.
– الوفاة: 8 ديسمبر 2019م، القاهرة.
– خرّيج كلية الهندسة (قسم كهرباء) جامعة القاهرة.
– من سكان حي الظاهر بالقاهرة، آخر شارع مسجد التوحيد بغمرة.
– ارتبط اسم الشيخ بـ “مسجد التوحيد” الذي ظل لسنوات عديدة “كعبة” يطوف حولها كثيرٌ من طلاب العِلم الذين يريدون أن يتعلموا دين الله عزّ وجل.
– فوزي السعيد هو الرجل الذي غـيّرَ مجرى تاريخ الدعوة في مصر، بعد الشيخ كشك، وكان مسجد “التوحيد” هو البستان الذي يحج إليه الناس كل جمعة، أو في الدروس اليومية بين صلاتَيْ: المغرب والعشاء
– كان الشيخ فوزي السعيد أُمّةً وَحدَهُ، استطاع بمفرده أن يُحدِث ثورة فكرية ودعوية من فوق المنبر، وما حدث خلال العَقْدَين الأخيرين من أحداث سياسية؛ سمعتُه من الشيخ فوزي السعيد في مسجد التوحيد، من 20 عاما.. فأنا أحد الذين كانوا يذهبون مبكّرا جدا، لأجد مكانا في الدور الأرضي للمسجد، وأجلس في مواجهة المنبر لأرى هذا الشيخ الأسد الذي كان يتحدث ب(حُرقة) وإخلاص، ويبذل مجهودًا رهيبا بيديه وجسمه، وصوته المميّز الباكي.
– كان مسجد الشيخ فوزي يتكفّل بحوالي 5 آلاف أسرة فقيرة، حتى سنة 2005م، وربما يكون العدد تضاعف بعد ذلك، ولكن الأوقاف استولت على المسجد وأموال الفقراء، وتم اعتقال الشيخ فوزي لسنوات، وماتت ابنته قبل زفافها بأسبوعٍ واحد، وهو داخل السجن، ولم يسمحوا له بالخروج لتوديعها..
– لم أسمع عن كلمة “الإرجاء” إلا من الشيخ فوزي السعيد، ولم نعرف رجال الإسلام من الدعاة المعاصرين في البلاد العربية والإسلامية قبل ظهور الإنترنت والفضائيات إلا من الشيخ فوزي السعيد،
ومن الشيخ فوزي عرِفنا وتابعنا قضايا: فلسطين، والشيشان، وأفغانستان، وبورما، والروهنجيا، وكل الأقليات المسلمة على وجه الأرض.
ولم يحدّثنا أحد قبل فوزي السعيد عن العِلم في القرآن والإعجاز العلمي والطبي..
– يقول المفكّر الإسلامي والإذاعي الدكتور محمود خليل، مدير إذاعة القرآن الكريم الأسبق: (الشيخ فوزي السعيد يمتاز بمدرسته التربوية العقائدية الفريدة، حيث عكف منذ بواكير أيامه الدعوية على تيسير علوم العقيدة والتيارات والمذاهب على المنبر رغم صعوبة هذه المادة العلمية التي ربما لا تجمع الجماهير أو تجذب الشباب، إلا أن الشيخ فوزي بعقليته التحليلية الواعية، وجسارته الفكرية السديدة؛ جعلت من علوم التوحيد والعقائد والتيارات المذهبية مادة شديدة الجذب للشباب، حتى غدا مسجد التوحيد الذي يعتلي منبره “الشيخ فوزي السعيد” مدرسة شديدة الامتياز والوعي الذي تربى عليه (ثلاثة أجيال كاملة): هم جيل الشيخ فوزي و(جيلين من بعده) من التلاميذ والمريدين، وهي مدرسة أجادت قراءة الصراع المذهبي والعقائدي واستخلاص الدروس الوسطية الصحيحة من خلال صحة العقيدة، ووضوح الرؤية، وتوحيد الأمة من أجل إعلاء رسالة أمة التوحيد، فكان مدرسة جامعة بين عدة مدارس تلتقي كلمتها مع رسالته، ويلتف شبابها من حوله، وتتلخّص أهدافها في إحياء رسالة التوحيد لجمع شتات الأمة، وإعادة قراءة مشروعها الحضاري المستوعب لدروس الماضي وتحديات الحاضر والمستقبل..)
– لقد كان مسجد التوحيد بمنطقة “غَمْرة” هو العيد الأسبوعي الذي ينتظره الجميع لمقابلة الأصدقاء، وشراء شرائط الكاسيت، والكتب الدينية، وعسل النحل الطبيعي، والبلح، والسواك، والبخور، وملابس النساء الشرعية… إلخ
– ذكريات وحكايات ومشاهدات في هذا المسجد تحتاج لمجلدات..لم يأتِ وقتها بعد.. وحوارات صحفية، وأصدقاء رحلوا، وأصدقاء هاجروا، وأصدقاء ضلّوا !!
– رحل الداعية الربّاني الشيخ فوزي السعيد، لكن صدى خُطبهِ ما زال يدوِّي كأنه لم يغادر منبره قَط: جرأة لا تتلعثم، وإخلاص لا يُخفِي نفسه خلف شعارات.
– كان فارسًا إذا صعد المنبر تحوّل إلى نارٍ مِن صدقٍ، يوقظ الناس، ويهزّ الغفلة، ويرفع راية التوحيد عالية..
وحين اشتد البلاء عليه، وضيّقوا على مسجده، وسُجنَ، وفُجع في ابنته، لم ينحنِ، ولم يساوم، بل ازداد ثباتًا كأنه خُلق ليُختبر.
– يبقى فوزي السعيد شاهدًا على زمنٍ كانت الكلمة فيه تُكلِّف العُمر، وعلى رجلٍ حملَ هَمّ أمّةِ وحده، ومضى ثابت الخُطى حتى لقيَ ربّه.
– اللهم ارحمه رحمةً واسعة، واجعل ما قدّمَ نورًا لا ينطفئ، وارفَع درجته مع الصالحين.
– اللهم ارحم عبدك فوزي السعيد، وجازهِ عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، واغفر له، واجعله رفيق النبي (صلى الله عليه وسلم) في الجنة.
———-
يسري الخطيب


