تشهد مسارات التنسيق والتعاون بين دمشق وبكين نقلة استراتيجية جديدة بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين لعام 2026.
ففي مقال نُشر بصحيفة “الثورة السورية” تحت عنوان “يدا بيد لنكتب فصلا جديدا لطريق الحرير”، أكد السفير الصيني شي هونغ وي حرص بلاده على الارتقاء بمجالات التعاون الميداني والمشاركة الفعالة في خطط التعافي وإعادة الإعمار، مع احترام الخيارات السياسية والسيادة الوطنية.
ويأتي هذا التحول ليعكس انتقالة جذرية في النهج الصيني عقب تغير المشهد السياسي في سوريا أواخر عام 2024، متجاوزاً حقبة الاكتفاء بالحماية الدبلوماسية عبر مجلس الأمن نحو بناء شراكات اقتصادية وحضرية واسعة النطاق.
اللقاءات الرسمية
تجاوزت بكين مرحلة الدعم السياسي والمظلة الأممية السابقة (حيث استخدمت الفيتو المزدوج مع موسكو 10 مرات بين 2011 و2020)، لتفتح قنوات حوار مباشر مع القيادة السورية الجديدة عقب أحداث ديسمبر 2024.
وتوج هذا المسار بلقاءات رفيعة بين السفير الصيني والرئيس أحمد الشرع في فبراير 2025، واجتمعت الخارجية السورية بالسفير في يوليو، قبل أن يلتقي وزيرا خارجية البلدين وانغ يي وأسعد الشيباني بالعاصمة بكين في سبتمبر 2025 لتأطير مجالات العمل المشترك لعام 2026.
الشراكة الاقتصادية
أكّد الوضع الدبلوماسي توافق مبادرة “الحزام والطريق” مع الموقع الجغرافي لسوريا ومتطلبات التعافي الاقتصادي، معرباً عن استعداد الصين لتقديم الخبرات التنموية والمساعدات في البنية التحتية والموارد البشرية وحركة الأفراد.
وتجسد هذا التعاون ميدانياً في مايو 2025 عبر توقيع الهيئة العامة للمنافذ عقد استثمار مدته 20 عاماً مع شركة “فيدي كونتراكتينغ” الصينية لتطوير المنطقتين الحرتين في عدرا وحسياء على مساحة تتجاوز 1.1 مليون متر مربع لإنشاء مجمعات صناعية وتجارية متكاملة.
عصر المدن الذكية
دخل التعاون التقني مرحلة حاسمة في يونيو 2026 بإطلاق منصة “سوريا الدولية للمدن الصناعية الذكية” داخل الصين، متضمنة الإعلان عن مشروعين رئيسيين لمدينتي الأثاث الذكيتين في دمشق وحلب.
وأوضح القائم بالأعمال محمد لبابيدي ترحيب دمشق بالشركات الاستثمارية الصينية لتدشين مرحلة التنمية الشاملة، فيما بيّن رئيس مجلس الأعمال السوري الصيني فادي المحيميد أن الخطوة تنقل العلاقة من مجرد التبادل التمويني والتجاري إلى نقل التكنولوجيا المتقدمة وتوطين المعرفة.
التبادل السياسي
جدد البيان الصيني التزامه الثابت بصون وحدة الأراضي السورية واستقلالها والعملية السياسية الوطنية بقيادة الحكومة، في مقابل تأكيد دمشق على الالتزام بمبدأ “الصين الواحدة” ورعاية المصالح الحيوية لبكين.
واختتم السفير بالتحذير من اختزال العلاقات في العقود السبعة الأخيرة فقط، مشدداً على أن الروابط الحالية تستند إلى جذر حضاري وتاريخي ضارب في القدم أصلته مسارات “طريق الحرير” عبر التاريخ.
مستهدفات الشراكة
تعكس التطورات المتلاحقة في ملف العلاقات السورية الصينية رغبة متبادلة في إعادة صياغة التحالفات الإقليمية وفق متطلبات المرحلة الانتقالية والنمو الاقتصادي.
فمن جانبها، تسعى دمشق لتسريع وتيرة إعادة الإعمار واستقطاب رؤوس الأموال التقنية لتحديث بنيتها التحتية وتوطين الصناعات الحديثة، بينما تأمل بكين في تأمين موطئ قدم استراتيجي لمبادرة “الحزام والطريق” في شرق المتوسط.
ويظل نجاح هذه الشراكة رهيناً بالقدرة على ترجمة الاتفاقيات والمذكرات الاستثمارية إلى مشاريع واقعية تخدم المصلحة الوطنية وتضمن الاستقرار والتنمية المستدامة.







