الأمة| تحولت المعادن النادرة خلال العقدين الأخيرين من مجرد مواد خام تدخل في الصناعات الإلكترونية إلى أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية في العالم. ويبرز هذا التحول بوضوح في منطقة البحيرات العظمى الإفريقية، ولا سيما في جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث تتداخل الثروات المعدنية مع الصراعات المسلحة والمنافسة الدولية على سلاسل الإمداد.
تمتلك جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر احتياطي عالمي معروف من الكوبالت، كما تضم احتياطيات ضخمة من الكولتان والقصدير والتنغستن والنحاس، وهي معادن تدخل في إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وأشباه الموصلات والطائرات العسكرية وأنظمة الذكاء الاصطناعي. ووفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تنتج الكونغو أكثر من 70% من الكوبالت العالمي، بينما تستحوذ الصين على الحصة الأكبر من عمليات تكريره، الأمر الذي منحها موقعًا متقدمًا في الصناعات التكنولوجية العالمية.
وتعود بداية الحضور الصيني المكثف إلى مطلع الألفية الجديدة، عندما أبرمت بكين اتفاقيات “المعادن مقابل البنية التحتية” مع حكومة الكونغو، واستثمرت شركات مثل China Molybdenum وCMOC وشركات حكومية أخرى مليارات الدولارات في المناجم والطرق ومحطات الكهرباء. وأصبحت الصين، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، اللاعب الأبرز في سلاسل القيمة الخاصة بالمعادن الحرجة، ليس فقط عبر استخراج الخام، وإنما من خلال عمليات التكرير والتصنيع.
في المقابل، بدأت الولايات المتحدة منذ إدارة جو بايدن ثم واصلت في الإدارات اللاحقة إعطاء أولوية متزايدة لتأمين مصادر المعادن الإستراتيجية. وأعلنت واشنطن مع الاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين دعم مشروع “ممر لوبيتو” الذي يربط مناجم الكونغو وزامبيا بميناء لوبيتو في أنغولا، بهدف توفير طريق بديل لتصدير المعادن إلى الأسواق الغربية وتقليل الاعتماد على البنية اللوجستية المرتبطة بالصين.
كما دعمت الولايات المتحدة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تهدئة التوتر بين الكونغو ورواندا، ورأت دوائر أمريكية أن استمرار النزاع في شرق الكونغو يهدد استقرار إمدادات المعادن الإستراتيجية. وفي هذا السياق، أشار جود ديفرمونت، المستشار السابق لشؤون إفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، إلى أن الشراكة الأمريكية مع الدول الإفريقية لم تعد تقتصر على المساعدات التقليدية، بل أصبحت ترتبط ببناء سلاسل توريد أكثر أمنًا ومرونة في مواجهة المنافسة العالمية.
من جانبه، يرى أليكس فاينز، مدير برنامج إفريقيا في معهد تشاتام هاوس، أن التنافس على المعادن الحرجة يمثل أحد أبرز مظاهر التحول في العلاقات الدولية، إذ لم تعد إفريقيا مجرد مصدر للمواد الخام، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في أمن الطاقة والصناعات المتقدمة. ويضيف أن نجاح أي قوة دولية لن يعتمد فقط على الاستثمار في المناجم، وإنما على قدرتها على بناء شراكات طويلة الأجل تحترم أولويات الدول الإفريقية وتوفر قيمة مضافة محليًا.
أما الباحث بول نانتوليا من مركز الدراسات الإستراتيجية الإفريقية، فيرى أن الصين بنت نفوذها عبر رؤية طويلة المدى جمعت بين التمويل والبنية التحتية والاستثمار الصناعي، وهو ما يجعل منافستها أكثر تعقيدًا من مجرد زيادة الاستثمارات الغربية. ويرى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى توفير بدائل اقتصادية مستدامة إذا أرادت تقليص الفجوة مع بكين.
وفي المقابل، تؤكد الصين أن تعاونها مع إفريقيا يقوم على مبدأ “المنفعة المتبادلة”، وترفض الاتهامات الغربية بأنها تستخدم المعادن أداة للنفوذ السياسي. وقد صرح مسؤولون صينيون مرارًا بأن بكين تسعى إلى شراكات تنموية لا ترتبط بشروط سياسية، بينما ترى واشنطن أن تنويع سلاسل الإمداد أصبح ضرورة للأمن الاقتصادي والدفاعي.
ويجمع عدد من مراكز الأبحاث، منها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS ومجلس العلاقات الخارجية CFR، على أن التنافس الأمريكي الصيني في إفريقيا لن يقتصر على قطاع التعدين، بل سيمتد إلى الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والبنية الرقمية، ما يجعل منطقة البحيرات العظمى إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي خلال العقد المقبل.


