لم تعد الأزمة بين أمريكا وإيران مجرد مواجهة عسكرية قابلة للاحتواء عبر الاتصالات الدبلوماسية، بل تحولت إلى اختبار إقليمي ودولي تتداخل فيه حسابات الأمن والطاقة والانتخابات الأمريكية، فيما تحاول باكستان وقطر منع انهيار المسار التفاوضي قبل أن تتحول التهديدات المتبادلة إلى جولة جديدة من الحرب.
وتكشف التطورات الأخيرة عن مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه إسلام آباد عن تفاؤل حذر بإمكانية نجاح الوساطة، تحذر المؤسسة العسكرية الباكستانية من أطراف قوية تعمل على إفشالها، بينما تتزايد الضغوط الأوروبية على طهران للعودة إلى التفاوض ووقف هجمات الحوثيين، وتستعد السلطات الإيرانية لاحتمال فرض قيود جديدة على الإنترنت إذا تجددت المواجهة.
المشهد لا يتعلق فقط بمنع ضربة عسكرية جديدة، وإنما بمستقبل التوازنات الإقليمية، ومصير الاقتصاد الإيراني، وأمن الملاحة الدولية، وقدرة الوسطاء على انتزاع تفاهمات تمنع اتساع الصراع.
باكستان تكشف صعوبة المهمة
في تصريحات لافتة، أعلن المتحدث باسم الجيش الباكستاني، الفريق أول أحمد شريف شودري، أن المؤسسة العسكرية تشعر بتفاؤل حذر إزاء الوساطة بين أمريكا وإيران، لكنه حذر في الوقت نفسه من وجود أطراف قوية ترى أن استمرار الصراع يخدم مصالحها وتسعى إلى عرقلة جهود التسوية.
وتكتسب التصريحات أهمية خاصة في ضوء الزيارتين اللتين أجراهما قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران خلال أكتوبر، وكانت آخرهما بمشاركة مسؤولين سعوديين وأتراك، في تحرك يعكس اتساع دائرة الوساطة من المسار الثنائي إلى محاولة إقليمية أكثر شمولًا.
ولم يكشف المتحدث العسكري هوية الأطراف التي يقصدها، ولذلك لا يمكن الجزم بأنها جهة بعينها، لكن تعدد المصالح المتعارضة يجعل أي تفاهم معرضًا لضغوط سياسية وأمنية.
وفي تطور مهم، أكد شودري أن إرسال مزيد من القوات الباكستانية إلى السعودية يتوقف على تطورات الموقف والقرار السياسي للبلدين، مجددًا التزام بلاده بالدفاع عن المملكة والأماكن المقدسة، مع التأكيد أن باكستان ليست طرفًا في الصراع الداخلي اليمني.
وهذا الموقف يعكس محاولة إسلام آباد الجمع بين التزاماتها الدفاعية تجاه الرياض والحفاظ على قنوات التواصل مع طهران.
ألمانيا توسع دائرة الضغط على طهران
بالتوازي مع التحرك الباكستاني، تتجه ألمانيا إلى توسيع الضغط الدبلوماسي على إيران.
وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن معظم دول مجموعة العشرين تتفق مع بلاده على ضرورة جلوس طهران إلى طاولة المفاوضات، مؤكدًا أيضًا ضرورة وقف هجمات الحوثيين في اليمن.
وكان فاديفول قد اتخذ موقفًا أكثر وضوحًا خلال اجتماعات إقليمية في إسطنبول، عندما طالب إيران والحوثيين بوقف استهداف السفن والمطارات والبنية التحتية، معتبرًا أن أمن الملاحة لم يعد قضية إقليمية، وإنما يرتبط بالاقتصاد العالمي وأمن الغذاء والطاقة.
وتعكس هذه المواقف رغبة أوروبية في منع تحول أزمة الشرق الأوسط إلى اضطراب اقتصادي دولي، خصوصًا مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز والبحر الأحمر.
لكن الضغط الأوروبي يواجه معضلة أساسية؛ فمطالبة إيران بالتفاوض لن تكون كافية ما لم تقترن بمسار يعالج مطالبها المتعلقة بالعقوبات والحصار والضمانات الأمنية.
الإنترنت.. جبهة جديدة في الحرب الإيرانية
بعيدًا عن التحركات السياسية والعسكرية، تواجه إيران احتمالًا آخر لا يقل تأثيرًا على مواطنيها واقتصادها، يتمثل في قطع الإنترنت الدولي مجددًا حال اندلاع حرب جديدة.
وتشير تصريحات مسؤولين إيرانيين وتقارير إعلامية إلى أن السلطات تدرس إجراءات تشمل خفض سرعة الشبكة أو قطع الاتصال الدولي، مع الاعتماد بصورة أكبر على الشبكة الوطنية.
وسبق أن حذر وزير الاتصالات الإيراني ستار هاشمي من أن انقطاع الإنترنت يكبد الاقتصاد خسائر يومية تقدر بنحو 50 تريليون ريال، فضلًا عن تأثر أعمال ملايين العاملين في الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية.
وتكشف شهادات الإيرانيين عن جانب إنساني أكثر قسوة؛ فالإنترنت لم يعد مجرد وسيلة للترفيه، وإنما أداة للاطمئنان على أفراد الأسرة، ومتابعة أخبار القصف، والتواصل مع الأبناء والأقارب خارج البلاد.
وترى الباحثة الإيرانية برستو بهرامي راد أن احتمال قطع الإنترنت مرتفع للغاية عند تجدد الحرب، لكنها تحذر من أن المواطنين العاديين هم الأكثر تضررًا، خصوصًا مع عدم تطوير المؤسسات الإيرانية قدرات كافية لحماية خدماتها من الهجمات السيبرانية.
وتكشف هذه الأزمة عن معادلة صعبة أمام طهران: حماية المنشآت الحيوية من الاختراقات الإلكترونية دون تحويل المجتمع بأكمله إلى ضحية للعزلة الرقمية.
والأخطر أن أي تهديد بقطع كابلات الاتصالات الدولية في مضيق هرمز قد يتجاوز حدود إيران، ليمس حركة البيانات العالمية والاتصالات العابرة للمنطقة.
قطر تتحرك قبل الانتخابات الأمريكية
في المقابل، تكتسب الوساطة القطرية أهمية متزايدة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، التي تمثل محطة حساسة في حسابات الرئيس دونالد ترامب السياسية.
وتشير تقارير أمريكية نشرت خلال الأيام الأخيرة إلى أن قطر تقود تحركات دبلوماسية بدعم من باكستان والسعودية ومصر وتركيا، بهدف إعادة إطلاق المفاوضات ومنع استئناف الضربات العسكرية بعد الانتخابات.
ومن بين المقترحات المطروحة إعادة المفتشين الدوليين إلى المنشآت النووية الإيرانية، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات وإتاحة بعض الأموال الإيرانية المجمدة، مع البحث عن صيغة تضمن عدم مطالبة طهران بتقديم جميع تنازلاتها النووية مقدمًا.
وقال ترامب إن المفاوضات تجري عبر الوسطاء، لكنه لم يجزم بإمكانية نجاحها، بينما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تزال تمنح الدبلوماسية فرصة.
وفي تقييمه للمشهد، يرى إبراهيم فرايحات، أستاذ تسوية النزاعات الدولية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، أن دول الخليج تستعد لاحتمال تجدد الضربات، بالتوازي مع استمرار جهود الوساطة القطرية والباكستانية.
أما بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون، فيشير إلى أن حالة القلق الإقليمي تتزايد، رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية.
ومن جانبه، يرى الخبير في الشؤون الدولية والحوكمة العالمية نايف النابت أن قطر تواصل وساطتها رغم التصعيد العسكري، إدراكًا منها لتأثير المواجهة على أمن الطاقة والاقتصاد الإقليمي والعالمي.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأزمة
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الوسطاء في انتزاع تفاهم مؤقت يشمل الملف النووي والملاحة والعقوبات، بما يسمح بتجميد المواجهة وفتح الطريق أمام مفاوضات أوسع.
والسيناريو الثاني هو استمرار الاتصالات دون اتفاق شامل، مع تبادل التهديدات والضغوط الاقتصادية والعسكرية، وهو احتمال قد يطيل حالة عدم الاستقرار.
أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في انهيار الوساطة واستئناف الضربات الأمريكية والإسرائيلية، بما قد يدفع إيران إلى توسيع نطاق الرد، ويضع دول الخليج وممرات الطاقة والاتصالات الدولية أمام مخاطر كبيرة.
في المحصلة المعركة الحالية تتجاوز الخلاف الأمريكي الإيراني؛ إنها صراع على شكل النظام الإقليمي المقبل، ومن يمتلك حق رسم قواعد الأمن في الخليج والشرق الأوسط.
وتبدو باكستان وقطر أمام فرصة تاريخية لإثبات أن الدبلوماسية الإقليمية قادرة على منع حرب واسعة، لكن نجاحهما يتطلب أكثر من نقل الرسائل بين العاصمتين.
فالولايات المتحدة مطالبة بتقديم ضمانات يمكن الوثوق بها، وإيران مطالبة بإبداء مرونة حقيقية بشأن الملف النووي وأمن الملاحة، بينما ينبغي ألا تتحول المخاوف الأمنية إلى مبرر لمعاقبة المجتمع الإيراني بقطع الإنترنت وعزله عن العالم.
والأيام التالية للانتخابات الأمريكية ستكون اختبارًا حاسمًا؛ فإذا لم تنجح الوساطة في تحويل الاتصالات الحالية إلى تفاهمات عملية، فقد تجد المنطقة نفسها أمام مواجهة أشد اتساعًا.
الخطر الحقيقي ليس فقط أن تفشل المفاوضات، وإنما أن تنجح الأطراف الرافضة للسلام في إشعال الحرب قبل أن يصل الوسطاء إلى اتفاق.


