لم تعد القوة الاقتصادية في الولايات المتحدة تُقاس بالمصانع العملاقة كما كان الحال في ديترويت وبيتسبرغ وشيكاغو خلال القرن العشرين، بل انتقلت تدريجيًا إلى فضاء جديد هو الفضاء اللوجستي، حيث تتحكم شركات التوزيع والتجزئة في حركة السلع والعمالة والبيانات. هذا التحول البنيوي، الذي حللته دراسة منشورة في فينومينال وورلد ، يكشف أن الاقتصاد الأميركي دخل مرحلة جديدة تتفوق فيها المستودعات ومطارات الشحن وساحات النقل متعدد الوسائط على خطوط الإنتاج التقليدية.
فبينما كان المصنع هو مركز الثقل في الاقتصاد الصناعي، أصبحت اليوم «العناقيد اللوجستية» هي القلب النابض للسوق. وتشير البيانات إلى وجود عشرة عناقيد رئيسية في الولايات المتحدة، تضم كل منها ما لا يقل عن تسع منشآت توزيع كبرى يعمل في كل واحدة أكثر من 400 عامل ضمن نطاق جغرافي لا يتجاوز 30 ميلًا. هذه العناقيد لا تمثل مجرد تجمعات عشوائية، بل شبكات استراتيجية تتحكم في تدفق السلع من الموانئ إلى المستهلكين.
أبرز هذه المناطق هي «إنلاند إمباير» في جنوب كاليفورنيا، التي تمر عبرها نحو 40% من واردات الحاويات الأميركية القادمة من آسيا عبر ميناءي لوس أنجلوس ولونغ بيتش. في هذه المساحة وحدها يعمل أكثر من 69 ألف عامل في مراكز توزيع كبرى، من بينهم نحو 36 ألف موظف لدى أمازون فقط، ما يجعلها المشغّل الأكبر لعمال المستودعات في المنطقة بفارق واسع عن منافسيها.
وتكشف الدراسة أن ما يزيد على نصف واردات أمازون في الربع الثالث من عام 2025 دخلت عبر هذين الميناءين، وأن بعض المراكز الفردية، مثل مركز ONT8 في أونتاريو بكاليفورنيا، تعاملت مع واردات تجاوزت قيمتها 519 مليون دولار خلال ربع واحد فقط.
ولا يقتصر النفوذ اللوجستي على الساحل الغربي، إذ تبرز منطقة دالاس–فورت وورث بثلاثة عناقيد مماثلة، مستفيدة من موقعها على «طريق نافتا السريع» الذي يربط المكسيك بوسط الولايات المتحدة، ومن قربها من ثاني أكبر مركز جوي لأمازون بعد سينسيناتي.
الخلاصة التي يطرحها تقرير النشلر أن العناقيد اللوجستية باتت تمثل ما كانت تمثله أحزمة التصنيع في القرن الماضي: بؤرًا مركّزة للعمالة ورأس المال والقوة التفاوضية. لكنها هذه المرة قوة غير مرئية للمستهلك، تعمل خلف الشاشات والمستودعات، وتشكل البنية التحتية الحقيقية للاقتصاد الأميركي في القرن الحادي والعشرين.


