تخوض القارة الأوروبية تحولاً جيوسياسياً واقتصادياً بالغ الأهمية يعيد رسم توازنات النفوذ الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط، مدفوعاً برغبة بروكسل في تأمين جوارها الجنوبي وصياغة واقع جديد يتناسب مع الخارطة السياسية الناشئة بعد عام ونصف من سقوط نظام بشار الأسد.
ولم يعد التحرك الأوروبي مجرد استجابة إنسانية تقليدية للأوضاع الميدانية المعقدة، بل تحول بقرار سياسي جماعي إلى هندسة دبلوماسية واقتصادية متكاملة تهدف إلى ضخ الروح في قنوات التواصل الرسمية مع سوريا، وبدء مرحلة حاسمة من الحوار رفيع المستوى لانتشال البلاد من ركام خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية المدمرة.
هذا الانعطاف التاريخي، الذي أفردت له صحيفة “لوتون” السويسرية العريقة، تقريراً استقصائياً موسعاً بالتزامن مع تغطية شاملة من وكالات الأنباء العالمية، يضع قدرة الاتحاد الأوروبي التمويلية والسياسية في اختبار حقيقي أمام استحقاقات إعادة الإعمار وتثبيت أركان الحكومة الانتقالية في دمشق.
وتأتي هذه التحركات المكثفة في وقت لا تزال فيه التقارير الميدانية الصادرة عن بروكسل تصف الأوضاع المعيشية على الأرض بالصعبة والمروعة، لنحو 13 مليون مواطن سوري ومواطنة سورية، وهو ما يوازي تقريباً نصف التركيبة السكانية الإجمالية للبلاد.
ضخ السيولة المالية
وفي إطار الدعم المالي المباشر الرامي لتثبيت ركائز العهد الجديد، تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم حزمة مساعدات مالية ضخمة بلغت قيمتها الإجمالية 620 مليون يورو وجرى تخصيصها بالكامل للفترة الزمنية الممتدة بين عامي 2026 و2027 لتمويل برامج الاستقرار الداخلي.
ونقلت الأوساط الدبلوماسية الدولية عن مسؤول رفيع في بروكسل تأكيده الصريح بأن القوى الأوروبية بحاجة ماسة ومصيرية لنجاح الحكومة السورية الانتقالية في بسط سيادتها وإرساء الاستقرار الشامل في كافة المحافظات، لأن ذلك يخدم المصالح الحيوية لأوروبا بشكل مباشر.
اعادة الإعمار
وتتقاطع هذه الرؤية مع الالتزامات الصارمة التي قطعتها رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، والتي وعدت فيها بأن تبذل القارة العجوز كل ما في وسعها وبتسخير كافة إمكانياتها المتاحة لتمويل قاطرة إعادة الإعمار ومشاريع التنمية في سوريا.
وجاء هذا التعهد الرسمي عقب المحادثات التاريخية والمباشرة التي جمعت رئيسة المفوضية بالمسؤول السوري أحمد الشرع في قلب العاصمة دمشق، مما شكل إعلاناً صريحاً عن بدء مرحلة شراكة اقتصادية وسياسية متكاملة تتجاوز إرث الماضي.
ترميم الجسور التجارية
ومن المنتظر أن يتخذ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قراراً مصيرياً بإعادة تفعيل اتفاق التعاون المشترك مع سوريا، وهو البروتوكول الذي ظل معلقاً ومجمداً منذ عام 2011 نتيجة العقوبات المفروضة على خلفية ممارسات حكومة الرئيس السابق بشار الأسد.
وتكشف القراءة الرقمية للتاريخ التجاري المشترك أن حجم التبادل السلعي بين الطرفين كان يلامس عتبة السبعة مليارات يورو سنوياً قبل اندلاع الصراع، مما يوضح حجم الخسائر الاقتصادية الهائلة التي تكبدها القطاع الإنتاجي السوري طوال سنوات القطيعة.
انكماش حاد
وتبرز البيانات الرسمية لعام 2023 حجم الانكماش الحاد الذي أصاب هذه العلاقة، حيث تراجعت واردات الاتحاد الأوروبي من الأسواق السورية لتستقر عند مستوى متدنٍ لم يتجاوز 103 ملايين يورو، في حين تراجعت الصادرات الأوروبية لدمشق إلى 265 مليون يورو فقط.
ولن يقتصر الطموح الأوروبي في عام 2026 على ترميم الاتفاق القديم، بل يمتد لبدء مفاوضات ماراثونية تهدف لإبرام اتفاقية شراكة شاملة وأكثر عمقاً تحاكي في مزاياها الاتفاقيات الاستراتيجية الموقعة مع مصر وإسرائيل ولبنان، وإن كانت هذه النقاشات ستستغرق وقتاً طويلاً.
معضلة الجبهة الديموغرافية
وتحظى استعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي في سوريا باهتمام استثنائي وخاص من قبل عواصم أوروبية محددة تستضيف على أراضيها مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وتواجه ضغوطاً سياسية داخلية متصاعدة من قبل الأحزاب القومية واليمينية.
وتأتي جمهورية ألمانيا الاتحادية في صدارة الدول المعنية بهذا الملف، حيث تضم الشريحة الأكبر من الجالية السورية بنحو مليون شخص، مما يفسر مسارعة المستشار فريدريش ميرتس للدعوة إلى تطبيق سياسات هجرة بالغة التشدد والصرامة لمواجهة صعود اليمين المتطرف.
مخرج لأزمة اللاجئين
وفي هذا الصدد، قدم جوليان بارنز داسي، كبير خبراء شؤون الشرق الأوسط لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تفكيكاً واقعياً لمعادلة العودة، مؤكداً أن معظم الحكومات الأوروبية تدرك أن التحسن الميداني والخدمي على الأرض لا يسير بالسرعة الكافية.
وأوضح داسي أن العوائق الاقتصادية وغياب فرص العمل الحقيقية في المدن السورية المدمرة تمنع وتعيق اتخاذ اللاجئين لقرارات حاسمة بحزم أمتعتهم في القارة الأوروبية والعودة الطوعية إلى ديارهم، مما يجعل من تمويل الإعمار المدخل الإلزامي الوحيد لمعالجة هذا الملف المعقد.
سوريا المستقبل
البراغماتية السياسية قد انتصرت في النهاية على الشعارات الإيديولوجية في حسابات بروكسل لعام 2026.
إن رصد مبلغ 620 مليون يورو والسعي لإبرام اتفاقية شراكة تحاكي النموذج المصري واللبناني يثبت أن أوروبا أدركت خطورة استمرار الفراغ الاقتصادي في دمشق، والذي قد يتحول إلى فتيل لتفجير موجات هجرة جماعية جديدة واضطرابات أمنية تهدد عمق القارة.
ويتضح أن نجاح الصفحة الجديدة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا لن يتوقف على النوايا الدبلوماسية، بل يرتبط بمدى قدرة الطرفين على تفكيك معضلة عودة اللاجئين عبر ربط التدفقات المالية الأوروبية بخلق بيئة استثمارية وصناعية جاذبة.
ويعيد ذلك صياغة دور سوريا كحلقة وصل اقتصادية حيوية في حوض المتوسط وضامن أساسي للاستقرار الجيوسياسي الإقليمي في نظام دولي متعدد الأقطاب ومتغير الملامح.


