رفضت الحكومة البولندية مقترحًا للمعارضة يقضي بترحيل الرجال الأوكرانيين في سن الخدمة العسكرية الذين لا يعملون بصورة قانونية في البلاد، لتفتح الخطوة نقاشًا أوسع حول مستقبل مئات الآلاف من الأوكرانيين في أوروبا، وحدود سياسات اللجوء والحماية المؤقتة بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وأكدت الحكومة البولندية أن مقترح الترحيل الجماعي غير قابل للتطبيق، في موقف يعكس حساسية الملف بالنسبة إلى وارسو، التي استقبلت منذ بداية الحرب أعدادًا كبيرة من الأوكرانيين، قبل أن يتحول وجودهم تدريجيًا من قضية إنسانية مرتبطة بالحرب إلى ملف له أبعاد اقتصادية واجتماعية وانتخابية.
من اللجوء إلى سوق العمل
تكمن أهمية الجدل الحالي في أن الوجود الأوكراني في بولندا لم يعد مقتصرًا على توفير الحماية للنازحين من الحرب، بل أصبح جزءًا من التركيبة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
فحتى قبل اندلاع الحرب في فبراير 2022، كانت بولندا واحدة من أبرز الوجهات الأوروبية للعمالة الأوكرانية، مستفيدة من القرب الجغرافي والروابط التاريخية والاقتصادية بين البلدين. وعمل الأوكرانيون في قطاعات متعددة، بينها البناء والزراعة والصناعة والخدمات.
ومع اندلاع الحرب، اتسعت هذه الظاهرة بصورة استثنائية، بعدما تحولت بولندا إلى إحدى أبرز نقاط استقبال الفارين من القتال، وقدمت لهم الحماية والمساعدات والخدمات الأساسية.
لكن مرور السنوات غيّر طبيعة المعادلة.
فالسؤال لم يعد فقط حول كيفية استقبال اللاجئين وحمايتهم، وإنما حول مستقبل إقامتهم، ومدى اندماجهم في سوق العمل والمجتمع، ومن يتحمل تكلفة استمرار الحماية المؤقتة إذا طال أمد الحرب.
المعارضة تربط الإقامة بالعمل
جاء مقترح المعارضة في سياق نقاش سياسي يرى أن الرجال الأوكرانيين القادرين على العمل، وخصوصًا الموجودين في سن الخدمة العسكرية، ينبغي ألا يستمروا في الإقامة داخل بولندا من دون عمل أو مساهمة اقتصادية.
وبذلك تجاوزت القضية البعد المرتبط بالهجرة، لتدخل في نطاق أوسع يتعلق بالعدالة الاجتماعية والالتزامات الاقتصادية والواجبات المرتبطة بالحرب.
لكن الحكومة البولندية رفضت فكرة الترحيل، وهو موقف لا يرتبط بالاعتبارات الإنسانية والقانونية فقط، وإنما يحمل أيضًا بُعدًا اقتصاديًا.
فالاقتصاد البولندي استفاد خلال السنوات الماضية من دخول أعداد كبيرة من العمال الأوكرانيين إلى سوق العمل، في وقت تعاني فيه قطاعات مختلفة من نقص العمالة.
ومن ثم، فإن اتخاذ إجراءات جماعية بحق المقيمين الأوكرانيين قد يؤدي إلى نتائج اقتصادية عكسية، في وقت تحتاج فيه بولندا إلى الحفاظ على قوتها العاملة.
معادلة صعبة أمام وارسو
تواجه الحكومة البولندية معادلة دقيقة.
فمن ناحية، يؤدي استمرار الحرب إلى إطالة أمد الحماية التي توفرها الدولة للاجئين، وهو ما يفرض ضغوطًا على الخدمات العامة والسكن والإنفاق الاجتماعي.
ومن ناحية أخرى، فإن جزءًا كبيرًا من الأوكرانيين يعمل بالفعل، ويدفع الضرائب، ويساهم في النشاط الاقتصادي، ما يجعل التعامل مع الجالية بأكملها باعتبارها عبئًا اقتصاديًا قراءة غير دقيقة.
ولهذا يتركز النقاش بصورة متزايدة حول التمييز بين أوضاع مختلفة: من يعمل ويدفع الضرائب، ومن يعتمد بصورة كبيرة على المساعدات، ومن يتمتع بوضع قانوني مستقر، ومن لم تعد تنطبق عليه شروط الإقامة.
وهذه التفاصيل تجعل الترحيل الجماعي خيارًا بالغ التعقيد بالنسبة إلى وارسو.
فالتشدد المفرط قد يضر بسوق العمل ويزيد التوتر مع كييف، بينما قد يؤدي الإبقاء على الوضع الحالي من دون تعديلات إلى زيادة الضغوط السياسية والشعبية، خصوصًا إذا ارتفعت تكاليف السكن أو الإنفاق الاجتماعي.
أزمة أوروبية تتجاوز بولندا
ولا تقتصر المعضلة على بولندا وحدها، إذ تواجه دول أوروبية أخرى السؤال نفسه بشأن مستقبل الحماية المؤقتة للأوكرانيين، خصوصًا مع استمرار الحرب لفترة أطول مما كان متوقعًا عند بدايتها.
فالحكومات الأوروبية أنفقت موارد ضخمة لاستقبال اللاجئين وتوفير السكن والتعليم والرعاية الصحية والدعم الاجتماعي، بينما تحول الوضع الذي كان يفترض أن يكون مؤقتًا إلى إقامة تمتد لسنوات.
وتزداد صعوبة الملف إذا توقفت الحرب أو جرى التوصل إلى تسوية سياسية؛ إذ لا يعني انتهاء القتال بالضرورة عودة جميع الأوكرانيين إلى بلادهم.
فعدد منهم أصبح مرتبطًا بسوق العمل الأوروبية، وأرسل أبناءه إلى المدارس، واستقر في مساكن جديدة، وبنى علاقات اجتماعية وحياتية يصعب التخلي عنها سريعًا.
ومن ثم، ستواجه أوروبا بعد الحرب سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل تشجع العودة إلى أوكرانيا، أم تنتقل تدريجيًا إلى سياسات دمج طويلة الأجل؟


