تفتح بيرو صفحة جديدة في قطاع التعدين مع توجه الحكومة إلى تقليص الإجراءات البيروقراطية وتسريع المشاريع المتوقفة، في وقت يتزايد فيه اهتمام الشركات الصينية والأمريكية بالنحاس البيروفي، وسط ارتفاع أهمية المعدن في صناعات الطاقة والتكنولوجيا والسيارات الكهربائية.
وقال وزير الطاقة والمناجم البيروفي غييرمو شينو هواماني إن بلاده تستهدف زيادة إنتاج النحاس بنحو مليون طن متري سنوياً خلال خمس إلى ست سنوات، من خلال تحريك مشاريع جديدة وتسهيل الاستثمارات القائمة.
وتتوقع بيرو أن يتراوح إنتاجها من النحاس خلال عام 2026 بين 2.5 و2.7 مليون طن، وهو مستوى قريب من إنتاج السنوات الماضية، في ظل انخفاض درجات الخام واستمرار النزاعات الاجتماعية التي أثرت على عمليات التعدين، بحسب تصريحات الوزير التي نقلتها رويترز.
وتحاول الحكومة الجديدة تحويل هذا الجمود إلى فرصة استثمارية، خصوصاً أن النحاس يمثل أحد أهم الموارد المعدنية التي تتنافس عليها القوى الاقتصادية الكبرى بسبب استخداماته المتزايدة في شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية ومراكز البيانات.
الصين وأمريكا تراقبان الفرص
وخلال الشهرين الماضيين، كثفت شركات التعدين اتصالاتها بالحكومة البيروفية لبحث المشاريع المتوقفة وإمكانية إعادة إطلاقها، بحسب وزير الطاقة والمناجم.
ومن بين الشركات التي تحركت في السوق شركات صينية تمتلك بالفعل حضوراً قوياً في بيرو، إلى جانب شركات أمريكية تسعى إلى توسيع حضورها في سلاسل إمداد المعادن الحيوية.
وتضم قائمة الشركات المهتمة شركات صينية مثل إم إم جي وتشينالكو وشوقانغ وجينتشاو، إضافة إلى شركة نيومونت وشركة فريبورت-ماكموران الأمريكيتين.
ولا يقتصر هذا التنافس على الأرباح المرتبطة بالنحاس، إذ أصبحت السيطرة على مصادر المعادن الحيوية جزءاً من المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية بين بكين وواشنطن.
وتشير بيانات سابقة إلى عمق العلاقات التجارية بين بيرو والصين، إذ أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لبيرو، بينما تستحوذ على حصة كبيرة من صادرات النحاس البيروفية. ووفقاً لتحليل نشرته رويترز، ارتفعت أهمية الصين في الاقتصاد البيروفي خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع توسع الشركات الصينية في التعدين والطاقة والبنية التحتية.
ويعني ذلك أن دخول شركات أمريكية بقوة إلى مشاريع النحاس لن يكون مجرد تطور تجاري، بل قد يضيف بعداً جيوسياسياً جديداً إلى قطاع التعدين البيروفي.
الحكومة تستهدف كسر الجمود
وتضع حكومة الرئيسة كيكو فوجيموري تقليص البيروقراطية في مقدمة أدواتها لجذب الاستثمارات.
وقال شينو إن الوزارة تراجع ما يقرب من 100 متطلب متعلق بإجراءات الترخيص، وحددت 27 ترخيصاً يمكن إلغاؤها، مؤكداً أن الهدف ليس تخفيف المعايير البيئية، وإنما جعل الإجراءات أكثر وضوحاً وسرعة.
وتشير بيانات قطاع التعدين البيروفي إلى أن محفظة المشاريع تبلغ نحو 64 مليار دولار، فيما تمثل مشاريع النحاس نحو 70% منها.
لكن التحدي يتمثل في أن جزءاً كبيراً من الاستثمارات المتوقعة خلال العام الحالي، والمقدرة بنحو 7 مليارات دولار، يوجه إلى الحفاظ على العمليات القائمة وإطالة عمر المناجم، وليس إلى إضافة طاقات إنتاجية ضخمة.
ولهذا تراهن الحكومة على المشاريع الجديدة باعتبارها الطريق الأساسي لتحقيق هدف زيادة الإنتاج بمليون طن سنوياً.
وأكد شينو أن التوقعات الاستثمارية أصبحت كبيرة، مشيراً إلى أن شركات التعدين تتواصل مع الوزارة لمعرفة كيفية المضي قدماً في مشاريعها.
وفي السياق ذاته، قال الوزير خلال فعالية اقتصادية في ليما إن بيرو تمتلك فرصاً مهمة للاستثمارات التعدينية الجديدة بفضل إمكاناتها الجيولوجية ومحفظة المشاريع والإطار القانوني، معتبراً أن تحسين القدرة على التنبؤ بالإجراءات يمثل عاملاً أساسياً لجذب المستثمرين.
خبراء يحذرون من العقبة الاجتماعية
لكن تسريع الإجراءات الحكومية لن يحل وحده جميع مشكلات التعدين في بيرو.
ويظل النزاع بين الشركات والمجتمعات المحلية أحد أبرز العوامل التي أدت إلى تعطيل مشاريع كبيرة خلال السنوات الماضية، خصوصاً في المناطق التي يعتمد سكانها على الزراعة والمياه المحلية.
ويحذر الباحث في شؤون التعدين جوزيه دي إيتشاب من أن دفع المشاريع بسرعة من دون معالجة جذور النزاعات الاجتماعية والبيئية يمكن أن يؤدي إلى عودة الاحتجاجات وتعطيل الاستثمارات.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن المستثمرين يحتاجون إلى أكثر من تراخيص حكومية سريعة، إذ يتطلب تنفيذ المشاريع الكبرى اتفاقات مستقرة مع المجتمعات المحلية، وضمانات بشأن المياه والبيئة، إلى جانب بنية تحتية قادرة على نقل الإنتاج إلى الأسواق العالمية.
ويرى محللون أن نجاح الحكومة في تبسيط الإجراءات سيظل مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على ثقة السكان المحليين، لأن أي مشروع كبير قد يواجه تأخيراً طويلاً إذا لم يحظ بقبول اجتماعي كافٍ.
البنية التحتية تدخل سباق النحاس
ولا تقتصر الاستثمارات الصينية في بيرو على المناجم، إذ تتوسع أيضاً في البنية التحتية المرتبطة بالنشاط التعديني.
وأفادت تقارير حديثة بأن شركة جينتشاو الصينية تعتزم بدء إنشاء ميناء في جنوب بيرو خلال عام 2027 باستثمارات إجمالية تبلغ نحو 405 ملايين دولار، ضمن خطة أوسع مرتبطة بمشروع بامبا دي بونغو للحديد، الذي تصل استثماراته إلى نحو 1.78 مليار دولار.
ويضاف ذلك إلى ميناء تشانكاي العملاق الذي تديره شركة صينية في شمال بيرو، والذي بدأ تشغيله أواخر عام 2024 وأصبح جزءاً من طريق تجاري مباشر بين أمريكا الجنوبية وآسيا.
ويرى خبراء أن توسع البنية التحتية الصينية يمنح الشركات الصينية ميزة إضافية، لأنها تستطيع الجمع بين الاستثمار في الموارد وتوفير وسائل نقلها إلى الأسواق الآسيوية.
في المقابل، قد تحاول الشركات الأمريكية المنافسة من خلال الاستثمار المباشر في المناجم ومشاريع معالجة المعادن وسلاسل التوريد المرتبطة بالصناعات المتقدمة.
النحاس يتحول إلى ورقة استراتيجية
وتأتي هذه التطورات في وقت أصبح فيه النحاس أكثر أهمية للاقتصاد العالمي.
فالمعدن يدخل في صناعة شبكات الكهرباء والمحولات والمحركات والبطاريات ومعدات الطاقة المتجددة، كما يتزايد الطلب عليه مع توسع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
ويرى محللون أن زيادة الطلب العالمي تجعل بيرو أمام فرصة لتعزيز إيراداتها من قطاع التعدين، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغطاً متزايداً من الشركات والدول الراغبة في تأمين إمدادات طويلة الأجل.
ويشير محللون اقتصاديون إلى أن المنافسة بين الصين وأمريكا قد تمنح ليما مساحة أكبر للتفاوض، إذا استطاعت الحكومة الحفاظ على سياسة استثمارية مفتوحة وتجنب تحويل المشاريع التعدينية إلى أدوات للصراع الجيوسياسي.
لكن هذه الفرصة تحتاج إلى إدارة دقيقة للعلاقات مع المستثمرين، خصوصاً أن الصين تحتفظ بموقع قوي في التجارة والاستثمار داخل بيرو.
توقعات بمرحلة استثمارية جديدة
ويتوقع خبراء أن تشهد بيرو خلال السنوات المقبلة موجة جديدة من الاستثمارات في النحاس إذا نجحت الحكومة في تنفيذ إصلاحاتها الإدارية وتحويل المشاريع المتوقفة إلى عمليات إنتاجية.
لكن تحقيق هدف إضافة مليون طن سنوياً لن يكون سريعاً، لأن المشاريع الكبرى تحتاج إلى سنوات من الدراسات والتمويل والبناء والحصول على الموافقات وإقامة البنية التحتية.
كما أن نجاحها سيعتمد على أسعار النحاس العالمية، وقدرة الشركات على تحمل ارتفاع تكاليف الإنشاء والتشغيل، ومدى استقرار البيئة السياسية والاجتماعية.
ويحذر صندوق النقد الدولي من أن تعقيدات الإجراءات والنزاعات الاجتماعية ظلت من العوامل التي تعرقل تنفيذ جزء من محفظة المشاريع التعدينية في بيرو، فيما يمثل التعدين غير القانوني تحدياً إضافياً للقطاع الرسمي.
وبحسب تقديرات الصندوق، ربما شكل التعدين غير القانوني ما يصل إلى 5% من صادرات النحاس البيروفية في عام 2024، ما يعكس حجم التحديات التنظيمية التي تواجهها السلطات.
اختبار للحكومة وللمستثمرين
وتدخل بيرو بذلك اختباراً اقتصادياً مهماً: هل تستطيع تحويل الثروة المعدنية إلى مشاريع إنتاجية جديدة، أم أن البيروقراطية والنزاعات الاجتماعية ستواصل تعطيل جزء من إمكاناتها؟
ويعتقد محللون أن تقليص الإجراءات قد يكون نقطة انطلاق مهمة، لكنه لن يكون كافياً وحده. فالمستثمرون يحتاجون إلى استقرار القواعد، والمجتمعات تحتاج إلى ضمانات بشأن البيئة والعوائد المحلية، بينما تحتاج الدولة إلى التأكد من أن زيادة الإنتاج ستنعكس على الاقتصاد وفرص العمل.
وإذا نجحت الحكومة في تحقيق هذا التوازن، فقد يصبح النحاس محركاً رئيسياً لمرحلة استثمارية جديدة في بيرو، خصوصاً مع احتدام المنافسة الدولية على المعادن الحيوية.
أما خلال السنوات الخمس أو الست المقبلة، فسيكون التحدي الأكبر هو تحويل إعلان إضافة مليون طن سنوياً من النحاس إلى إنتاج فعلي، في سوق تتزايد فيه المنافسة على الموارد، وتزداد فيه أهمية بيرو بالنسبة إلى سلاسل الإمداد العالمية.


