صدر كتاب “الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته” عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة “دراسات التحول الديمقراطي” .
يضم الكتاب بين دفتيه بحوثاً قُدّمت في مؤتمر “خمس سنوات على الثورات العربية” الذي عقده المركز في بيروت خلال الفترة من 21 إلى 23 يناير 2016، بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية .
الكتاب من إعداد وتنسيق جمال باروت، ويشارك فيه نخبة من الباحثين والمفكرين، من بينهم جلبير الأشقر وعبد الفتاح مورو وعبد الوهاب الأفندي وريموند هينبوش وخليل العناني وأحمد دلال .
تقع الطبعة الأولى في 880 صفحة من القطع المتوسط، وهي موثقة ومفهرسة، وصدرت سنة 2018 .
مقدمة
خمس سنوات مرّت على انطلاق ما عُرف بالربيع العربي، وهي فترة كافية للتأمل والمراجعة والتقييم.
هذه السنوات كشفت أن الطريق إلى الحرية والكرامة والعدالة لم يكن مفروشاً بالورود كما ظنّ كثيرون لحظة انطلاق الثورات.
فبين من رأى في تلك اللحظات فجراً جديداً للأمة، ومن اعتبرها مجرد عاصفة عابرة، يقف هذا الكتاب ليقول كلمة فاصلة.
إنه يجمع بين شهادات من عاشوا التجربة الثورية، وتحليلات أكاديمية عميقة من باحثين متخصصين من مختلف أنحاء العالم.
والكتاب لا يكتفي بوصف ما حدث، بل يغوص في الأسباب والبنى العميقة التي جعلت التحول الديمقراطي عسيراً في العالم العربي.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
ينطلق الكتاب من سؤال محوري: لماذا تعسّر التحول الديمقراطي في البلدان العربية بعد ثورات 2011؟
ويتوزع الجواب على أربعة مستويات: إعادة قراءة الثورات وفهم مساراتها المتباينة، ومأزق الدولة التسلطية وبنيتها العميقة، والتحولات الاجتماعية-السياسية التي رافقت الثورات، وشهادات وقراءات من داخل التجربة الثورية .
يضم الكتاب 26 فصلاً موزعة على أربعة أقسام كبرى .
أهم فصول الكتاب ومضمونها
القسم الأول: شهادات وقراءات من واقع التجربة الثورية
يفتتح هذا القسم بفصل لجلبير الأشقر بعنوان “هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟”.
يناقش الأشقر شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، ويميّز بين مفهومَي الدولة والنظام، ويرى أن الثورات أسقطت النظام لكنها لم تُسقط الدولة، مما أدى إلى عسر التحول الديمقراطي .
يقول الأشقر في هذا الفصل: “ما سقط في الواقع لم يكن سوى الواجهة السياسية، بينما بقيت البنية العميقة على حالها” .
وفي الفصل الثاني، يقدّم عبد الفتاح مورو شهادة في التجربة التونسية والتوافق بين القوى السياسية.
يستعرض مورو كيف شكّل الحوار الوطني نموذجاً لحماية التحول الديمقراطي في تونس .
أما عبد الوهاب الأفندي فيستثمر في الفصل الثالث مفهوم “المناعة المرتدة” لجاك دريدا.
ويجد الأفندي أن ساحات الثورة مثّلت الانتصار على الخوف، وحلّت محله الثقة بالنفس وبالآخرين وبالمستقبل .
القسم الثاني: إعادة قراءة الثورات العربية وتحولاتها
يضم هذا القسم عشرة فصول، يبدأها ريموند هينبوش بمقاربة في علم الاجتماع التاريخي.
يحلّل هينبوش ثلاثة نماذج من الثورات العربية: تونس ومصر وسورية، وفق منهج سوسيو-تاريخي لفهم المسارات المتباينة بعد الثورات .
ويقول هينبوش في فصله: “إن الثورات العربية أطلقت عملية إعادة تعبئة الجماهير، لكنها لم تستطع أن تُترجم إلى تغيير بنيوي مستدام” .
وفي الفصل الخامس، يرى الحسن بن النجيم أن أكبر خطأ وقعت فيه الحركات الاحتجاجية العربية هو أنها كانت تحديثية لا تنويرية .
أما ويندي بيرلمان فتقول في الفصل السادس: “كانت الاحتجاجات الجماهيرية ثورية لأنها أشارت إلى رفض الناس أداء دور المواطنين المرعوبين والمذعنين” .
ويقول المولدي الأحمر في الفصل السابع: “إن الصراع على المواقع الاجتماعية-الثقافية هو الذي يعسّر إنجاز الانتقال الآخر الذي نادى به المتظاهرون” .
ويحلّل مصطفى عمر التير في الفصل الثامن تعثر التحول الديمقراطي في ليبيا من خلال فرضية تجمع بين التحديث والحداثة والديمقراطية .
القسم الثالث: مأزق الدولة التسلطية
يقول مايكل هدسون في الفصل الرابع عشر: “إن فراغ الشرعية يفسّر الاضطراب السياسي في المنطقة، وإن الثورات كشفت ضعف الدولة العربية” .
ويرى هاني عواد في الفصل الخامس عشر أن الطريق نحو الديمقراطية في مصر يمر عبر القواعد الشعبية المهمّشة في الأطراف .
وفي الفصل السادس عشر، يفحص أرنود كورز وسائل الإعلام على الإنترنت في تونس ومصر، ويرصد غلبة استراتيجيات الأمن القومي .
وتقول مليكة الزخنيني في الفصل السابع عشر إن الدولة الوطنية تبقى مرجع الانتماء والهوية رغم فشل التحول الديمقراطي .
ويرد عبد الناصر جابي استعصاء التغيير في الجزائر إلى الخوف من العودة إلى التسعينيات، وضعف المعارضة .
ويسأل دانييل براون في الفصل التاسع عشر: لماذا لم تشهد الدول الملكية انتفاضات؟ ويجد أن الآليات المؤسسية والثقافية مكّنت النظام الأردني من تجاوز الاحتجاجات .
القسم الرابع: التحولات الاجتماعية-السياسية
يقارن حفيظ هروس في الفصل الثالث والعشرين بين مصر وتونس، ويجد أن الاستقطاب حول الهوية يُعسّر الوفاق الوطني ويُفشل التحول الديمقراطي .
ويقارن خليل العناني في الفصل الرابع والعشرين بين الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس، ويختبر ردة فعل الإسلاميين تجاه الثورات .
ويفكّك جوهر الجموسي في الفصل الخامس والعشرين ثلاثية القوة والعنف والصراع في تحليله العنف السياسي الممنهج عبر الشبكات الإلكترونية .
ويبحث مازيار غيابي في الفصل السادس والعشرين في هجرة سكان بعض دول الثورات إلى الدول المجاورة وأوروبا، وظاهرة “الترحيل” في الشرق الأوسط .
أهم أقوال الكتاب
“إسقاط النظام لا يعني إسقاط الدولة: الثورات أسقطت الأنظمة لكنها لم تُسقط الدولة التسلطية ببنيتها العميقة”.
“الاستقطاب حول الهوية يُعسّر الوفاق الوطني ويُفشل التحول الديمقراطي”.
“الميزة الملكية: الأنظمة الملكية استطاعت احتواء الاحتجاجات بفضل آليات مؤسسية وثقافية”.
“دور العسكر: المؤسسة العسكرية لعبت دوراً حاسماً في إفشال التحول الديمقراطي في مصر وسورية واليمن”.
“داعش اغتصب المشروع الثوري وأجهض وعوده، وكان قوة معادية للثورة”.
“الإسلاميون لم يكونوا عائقاً دائماً للتحول الديمقراطي، لكن سياقاتهم وانقساماتهم أثرت على فشلهم أو نجاحهم”.
“الدستور ليس كافياً: التعديلات الدستورية وحدها لا تكفي لتحقيق تغيير بنيوي فعلي”.
أهمية الكتاب
يُعدّ الكتاب مرجعاً شاملاً لفهم عسر التحول الديمقراطي في العالم العربي.
فهو يجمع بين الشهادات الميدانية والتحليلات الأكاديمية في عمل واحد.
ويتنوع فيه الباحثون من جنسيات ومشارب فكرية مختلفة، مما يثري التجربة ويوسّع الأفق.
كما يتميز بتنوع المقاربات: سوسيولوجية، وتاريخية، ودستورية، وسياسية.
ويغطي حالات متعددة: تونس، ومصر، وسورية، وليبيا، والمغرب، والجزائر، والأردن، واليمن.
وهو يشكّل وثيقة مهمة لفهم مآلات الثورات العربية بعد خمس سنوات من اندلاعها.
ويقدّم تفسيرات متعددة لـفشل التحول الديمقراطي، منها: استمرار الدولة التسلطية، والاستقطاب حول الهوية، وضعف الأحزاب، وتدخل العسكر، وصعود داعش، والخوف من التغيير.
نقد الكتاب
يُحسب للكتاب شموله وتنوعه، لكنه لا يخلو من ملاحظات نقدية.
من أبرز ما يُؤخذ عليه أنه يعتمد بشكل أساسي على بحوث مؤتمر واحد، مما قد يجعله أقرب إلى الأوراق المتفرقة من التأليف المتماسك.
كما أن بعض الفصول قد تشعر القارئ غير المتخصص بالتكرار أو التداخل في الموضوعات.
وثمة غياب نسبي لبعض الدول التي شهدت احتجاجات مهمة، مثل البحرين واليمن، رغم أن الأخيرة حاضرة في فصل عن دور العسكر.
ويُلاحظ أن الكتاب يركز بشكل كبير على مرحلة ما بعد 2011، دون تحليل كافٍ للجذور التاريخية الأعمق للأزمات السياسية في المنطقة.
كتب مشابهة
“الثورات العربية: المآلات والمستقبل” لمجموعة مؤلفين.
“الربيع العربي: الثورة والتحول الديمقراطي” لعدد من الباحثين.
“سقوط النظام وبقاء الدولة” لأحمد عبد الحميد.
ربط الكتاب بالواقع الآن
بعد مرور أكثر من عقد على انطلاق الثورات العربية، تبدو تحليلات الكتاب بالغة الأهمية.
فالخلاصات التي وصل إليها الباحثون قبل سنوات قد تحققت في كثير من الحالات.
فالدولة العميقة لا تزال موجودة في مصر، والصراع في سورية تحوّل إلى حرب مدمرة.
وفي تونس، شهدت التجربة الديمقراطية انتكاسة كبيرة بعد عام 2021.
وليبيا لا تزال تتخبط بين الميليشيات والقوى المتنافسة.
كما أن صعود داعش أظهر كيف يمكن للجماعات المتطرفة أن تستفيد من فراغ السلطة والفوضى.
ويمكن القول إن الكتاب يشكّل بوصلة لفهم ما حدث، ولكنه في الوقت نفسه يذكّر بأن الطريق إلى الحرية والعدالة لا يزال طويلاً.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
الكتاب من إعداد وتنسيق “جمال باروت”، وهو باحث سوري بارز متخصص في التاريخ والعلوم السياسية.
أما المؤلفون المشاركون فهم مجموعة من الأكاديميين والباحثين من جنسيات عربية وأجنبية مختلفة .
الكتاب في ميزان الإسلام
من منظور إسلامي معتدل، يقدّم الكتاب مادة ثرية للتفكير والتأمل.
فهو يوثّق تجربة تاريخية مهمة للأمة العربية والإسلامية.
ويطرح أسئلة جوهرية حول أسباب فشل التحولات الديمقراطية، وهي أسئلة تستحق الوقوف عندها.
وقد كان للحركات الإسلامية دور في هذه التجارب، وقد يكون من المفيد مراجعة تجربتها في ضوء ما ورد في الكتاب.
غير أن الكتاب، بحكم كونه نتاج مؤتمر أكاديمي، لا يهدف إلى تقديم إجابة فقهية أو دينية، بل يقتصر على التحليل السياسي والاجتماعي.
والمسلم المعتدل يمكنه أن يستفيد من التحليلات الواردة فيه، مع الاحتفاظ بنظرته الشاملة التي تربط الأسباب الظاهرة بالأسباب العميقة، وتضع كل ذلك في ميزان الشرع والمصلحة العامة.
والكتاب بذلك يُعدّ لبنة في بناء وعي سياسي إسلامي معاصر، مدرك لتعقيدات الواقع، ومتجنب لتبسيط الأمور، ومتمسك بالثوابت الشرعية.


