ما أن تنطق أو تتحدث عن انعقاد قمة عربية لمناقشة قضية طارئة ومفصلية يتوقف عليها مستقبل العالم العربي والإسلامي، حتى يشعر المستمع أو القارئ بالملل وربما الاكتئاب أو اليأس والإحساس بالعجز، بعدما أثبتت كل التجارب السابقة على مدار أكثر من سبعين عاما، تحول هذه القمم إلى ظاهرة كلامية وبيانات إنشائية حفظت الشعوب العربية والإسلامية نصوصها، بل وربما تجد هناك من يملي عليك البيان الختامي لأي قمة قبل صدوره رسميا.
هل تحولت القمم العربية لفظاهرة كلامية؟
في أعقاب قمة الدوحة الطارئة التي انعقدت ردًّا على عدوان الاحتلال الإسرائيلي ومحاولة اغتيال قادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، لم تختلف قراءات الخبراء والمحللين حول مخرجاتها، وإن اختلفت وسائل الإعلام في تناولها بحسب أجندتها التي تملى عليها من الدول التي تنفق عليها.
غياب الآليات العملية حوّل مخرجات أي قمة عربية مهما كانت أهميتها حولها إلى مجرد تكرار لبيانات موسمية لا تُجدي أمام أي موقف دولي، أو تصعيد دولة معادية كدولة الاحتلال، في وقت تتكشف فيه خلافات عربية عميقة يستفيد منها نتنياهو وحلفاؤه الأمريكيون.
يقول المؤسس والرئيس التنفيذي لمركز “ريكونسنس” للبحوث والدراسات (مستقل مقره الكويت) عبدالعزيز العنجري، إن “البيان الختامي لم يتضمن إجراءات ملموسة أو آليات تنفيذية محددة، متسائلًا: هل تكفي الإدانة وحدها؟”
وأضاف العنجري أن “تجربة سبعة عقود من القمم والبيانات أثبتت عجزها عن كبح جماح (إسرائيل)، التي واصلت التمدد فيما ظل العرب يتراجعون”، متسائلًا: “و(إسرائيل) التي لم تتأثر يومًا بقرارات مجلس الأمن، هل سترتدع الآن أمام بيان جديد؟”.

وأكد أن “ما يمكن أن يربك (إسرائيل) فعلًا ليس البيانات الموسمية، وإنما ضغط عملي وإعلامي وقانوني مستمر، إلى جانب بناء أوراق قوة واقعية تستوعب المناصرين عالميًا، وتوفر لهم مظلة تحميهم من أعباء المحاكم أو خسارة الوظائف أو حملات التشويه”.
وشدد على أن “مثل هذا الجهد لا يتطلب سوى جزء يسير من الموارد التي تُنفق على صفقات تسليح لا تُترجم إلى قدرة ردع فعلية، مستشهدًا بما أشار إليه رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد في إحدى مداخلاته عبر قناة “الجزيرة” الفضائية”.
وختم العنجري بالقول: “الطريق المؤدي إلى أثر حقيقي يبدأ بخطوات عملية كهذه، لا بالاكتفاء بتكرار التنديد وإعادة إنتاج وهم جديد لشعوبنا. ومع ذلك، يبقى استهداف الدوحة عدوانًا سافرًا لا يسقط بالتقادم، ويستدعي مواقف تتجاوز البيانات إلى أفعال”.
عجز بإملاءات أمريكية
فيما أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد الليثي، إن القمم العربية دائما ما تكشف عجز الأمة العربية الذي يملى ويفرض عليها بإملاءات أمريكية، موضحا أن هذه القمم لا يمكن لها أن تتخذ أي خطوات أو إجراءات غير ممهورة بتوقيع أمريكي.

وأوضح الليثي في تصريحات لـ “جريدة الأمة الإلكترونية” أن القمم العربية الأخيرة كشفت عن انقسام واضح بين الدول العربية، رغم مظهر بيانات الوحدة التي رافقتها، موضحا أن غياب الإرادة العربية والإسلامية، بالإضافة لهذا الانقسام يمثل مؤشرًا خطيرًا، إذ سيسمح لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مدعومًا من الولايات المتحدة، بالاستفراد بالقرارات واستغلالها في خطواته القادمة بالمنطقة.
وأضاف الليثي، أن الشعوب العربية ملت من البيانات التي تصدرها هذه القمم السلبية، وكانت تأمل أن تنتج القمة حالة من الوحدة الميدانية الفعلية بتعاون عربي دفاعي مشترك، لكن ما جرى لم يتجاوز الطابع الشكلي”، مرجحًا أن “تكشف الأيام المقبلة عمق الخلافات مع تكرار اعتداءات الاحتلال على جبهات مختلفة، ما سيعقّد المشهد ويعزز ملامح ما يُعرف بـ(الشرق الأوسط الجديد)”.
وأشار الليثي إلى سخرية الولايات المتحدة الأمريكية من انعقاد القمم العربية، بإرسال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى إسرائيل تزامنًا مع القمة العربية، وظهوره عند حائط المبكى، بما يحمل دلالات سلبية للغاية على الموقف الأمريكي في المنطقة، و يعكس حجم الانحياز لسياسات الاحتلال، الأمر الذي يكشف هوان الدول العربية في نظر الولايات المتحدة الأمريكية.
واعتمدت القمة العربية الإسلامية الطارئة المنعقدة في الدوحة، مساء اليوم، بيانها الختامي الذي حمل إدانة واسعة للعدوان “الإسرائيلي” على دولة قطر، معتبرة الهجوم “عملاً جبانًا وغير شرعي”، دون العمل على إصدار أي إجراءات عملية تحد من تهور الكيان الصهيوني.
تاريخ من العجز
ولم تختلف قمة الدوحة عن القمم السابقة على مدار سبعين عاما، وأهمها قمة جامعة الدول العربية، وقمة منظمة التعاون الإسلامي بالرياض ودمجهما في قمّة مشتركة طارئة 2023، ردا على الحرب الإسرائيلية على غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر.
وبالرغم مما تميّزت به القمّة بمشاركة رفيعة المستوى من قيادات الدول العربيّة والإسلاميّة، حيث شاركت معظم الدول المؤثّرة على مستوى الرؤساء، ما أضافَ لمعنى جمْع القمتَين في قمة واحدة، إلا أنها فشلت كعادتها في أن تقدم أي شيئ لوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات لسكّان قطاع غزة، ورفض فكرة التّهجير نحو جنوب القطاع أو مصرَ- كما كانت تدعو حكومة الاحتلال- والتّأكيد على حقوق الشعب الفلسطينيّ، ومنها إقامة دولته المستقلّة.
واكتفت القمة في 2023 بديباجتها المشهور في مقدمة أي بيان للقمم العربية، بالتعبير نظريا عن: “موقفنا الموحّد في إدانة العدوان الإسرائيليّ الغاشم على الشعب الفلسطينيّ”، وعلى أنَّنا: “نتصدّى معًا لهذا العدوان”، والكارثة الإنسانيّة التي يسبّبها، مشيرةً إلى عمل القمّة على وقف العدوان و”إنهاء كل الممارسات الإسرائيلية غير الشرعية”.
ودائما ما جاءت مخرجات القمم لتغلب عليها الصياغاتُ الكلاميّة والخطابيّة، مثل المطالبات والمناشدات والتأكيدات والدعوات وإعلان الدعم، في غياب شبه كامل لأيّ خطوات عمليّة يفترض أن تضطلع بها القمة التي جمعت قيادات 57 دولة عربية وإسلامية.

بين العجز والفشل
أوّل ما يلفت النظرَ هو أنَّ هذه القمّة المشتركة “الاستثنائية والمستعجلة” تأتي بعد قضايا مفصلية تهم مستقبل المنطقة، وخاصة القضية الفلسطينية، وبعد مذابح يقوم بها جيش الاحتلال ضد العزل من الفلسطينيين، فضلًا عن الحصار، ومنع دخول الغذاء والماء والدواء والوقود، و إزاء وضع كارثيّ كالذي أصبحت عليه غزة وأهلها، من استشهاد 65 ألف إنسان، وإصابة 200 ألف أخرين، وتشريد 90% من أهلها بحسب إحصائيات أونروا، وقتل 18 ألف طفل، و 15 ألف سيدة..
إلا أن مخرجات القمّة غلبت عليها الصياغاتُ الكلاميّة والخطابيّة، مثل المطالبات والمناشدات والتأكيدات والدعوات وإعلان الدعم، في غياب شبه كامل لأيّ خطوات عمليّة يفترض أن تضطلع بها القمة .
كما أنَّ بنود القرارات التي تخرج من هذه القمم دائما تخلو تمامًا من أي عقوبات على دولة الاحتلال أو داعميها، بل ومن مجرد التلويح بالعقوبات، حتّى في البند الذي يطالب بـ “وقف تصدير السلاح والذخائر إلى سلطات الاحتلال”، مكتفيةً بالإشارة – في البند 12 – إلى استنكار ما أسمته ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، والتأكيد على أنَّ مواقف الدول العربية والإسلامية “ستتأثر” بالمعايير المزدوجة التي “تؤدي إلى صدْع بين الحضارات والثقافات”.
حتى الخطوات الدبلوماسية البسيطة المتعارف عليها- مثل سحب السفراء أو طردهم أو التلويح بتجميد العلاقات الدبلوماسية أو قطعها- لم يُؤْتَ على ذكرها صراحةً في القرار، بل استُخدمت صياغة فضفاضة، مثل: “دعوة الدول الأعضاء في المنظمة والجامعة لممارسة الضغوط الدبلوماسية” على سلطات الاحتلال.
وفي مقابل ما وصفته القمّة بجرائم الحرب والمجازر الشنيعة، أكد قرارها وبنوده على أن السلام هو الحل الوحيد للصراع مع الاحتلال، معيدةً التأكيد على مبادرة السلام العربية، وحلّ الدولتين، مع دعوة لتنظيم مؤتمر للسلام في المنطقة في أقرب وقت.
وعليه، تكون مخرجات القمة العربية – الإسلامية كلامية إنشائية في غالبيتها الساحقة، مفتقرة لمسارات عملية واضحة الخطوات وقادرة على الفعل والتأثير. ويبدو أنّ الخلافات والاختلافات بين الدول الأعضاء قد ساعدت على خروج البنود بهذه الصيغ الفضفاضة الأقرب للمناشدات والأبعد عن المسار العمليّ، بل حتى عن التلويح أو التهديد بأيّ عقوبات ولو دبلوماسية أو شكلية لا لدولة الاحتلال ولا لداعميها. حتى البند المتعلّق برفع الحصار وإدخال المساعدات “بشكل فوري” افتقر لتفصيل آلية تنفيذه، والجهات التي ستقوم على ذلك، وسيكون بالتأكيد أمام محكّ التطبيق العملي، وكذلك ستكون مصداقية القمّة والدول المشاركة بها.
ولذلك، فمحصّلة القمم العربية بل و الإسلامية، هي تأكيد حالة العالَمَين العربي والإسلامي إزاء العدوان على قطاع غزة، وهي حالة تمزج بين العجز والفشل والخِذلان والتي قد يراها البعض موحية بشيء من التواطؤ.. لكن الأكيد أنه ليس في مخرجات القمة أي رادع عملي لسلطات الاحتلال “الإسرائيلي”، ومؤسّستها العسكرية عن الاستمرار في ارتكاب المجازر، وليس فيها ما يضغط على الدول الداعمة لها، وفي مقدمتها الولايات المتّحدة لتخفيف هذا الدعم، فضلًا عن وقف الحرب.


