تواجه طموحات مصر في مجال الذكاء الاصطناعي اختباراً رئيسياً: الانتقال من التطبيقات المطورة محلياً إلى دمج التكنولوجيا عبر المؤسسات الحكومية لتحسين كفاءة الخدمات العامة وإمكانية الوصول إليها.
وقد تم تسليط الضوء على هذا التحدي في مؤتمر الذكاء الاصطناعي الشامل في أبوظبي 2026 ، الذي عقد في الفترة من 6 إلى 7 أكتوبر، والذي جمع أكثر من 400 عارض، وأكثر من 180 متحدثًا، وأكثر من 200 مستثمر يديرون أصولًا تزيد قيمتها عن 100 مليار دولار.
وفي حديثه لصحيفة الأهرام الأسبوعية، قال فيصل الحاوي، مدير مصنع الذكاء الاصطناعي في دائرة تمكين الحكومة بأبوظبي، إن مصر يمكن أن تستفيد من تجربة أبوظبي، مؤكداً أن التبني الناجح للذكاء الاصطناعي يتطلب تدريب القوى العاملة، وأدوات آمنة، وفوائد ملموسة للموظفين العموميين والمواطنين، إلى جانب الاستثمار التكنولوجي.
طورت مصر تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل الكرنك، وأكوا، ورياكت. ويتمثل التحدي التالي في توسيع نطاق استخدامها في مختلف العمليات الحكومية، والانتقال من مجرد أتمتة المهام الفردية إلى إعادة تصميم تقديم الخدمات، ومعالجة المعلومات، وسير العمل في القطاع العام.
وأوضح الحاوي أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تتجاوز مكاسب الكفاءة التدريجية لتسمح للمؤسسات بإعادة تصور طريقة عملها.
وقال إن الفوائد قد تشمل تحسين الإنتاجية، وتبسيط التفاعلات بين المواطنين والمؤسسات الحكومية، والسماح للموظفين العموميين بتخصيص المزيد من الوقت للعمل الاستراتيجي الذي يتطلب حكماً بشرياً بدلاً من المهام الإدارية الروتينية.
بالنسبة لمصر، كما أشار الحاوي، يُعد هذا التمييز بالغ الأهمية في ظل توسعها في البنية التحتية الرقمية للحكومة. فنقل الخدمات إلى الإنترنت يُسهّل الوصول إليها، كما أن دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الأساسية يُمكن أن يُساهم في تحسين سرعة تقديم الخدمات واتساقها.
تُجسّد تجربة أبوظبي حجم التغييرات المؤسسية التي تنطوي عليها هذه العملية. وتسعى الإمارة جاهدةً لتحقيق طموحها في أن تصبح حكومةً رائدةً في مجال الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027، وذلك من خلال استراتيجية تجمع بين الاستثمار التكنولوجي، وتطوير القوى العاملة، ونشر الذكاء الاصطناعي في مختلف الجهات الحكومية.
تتضمن استراتيجية الحكومة الرقمية للفترة 2025-2027 استثمارات بقيمة 13 مليار درهم إماراتي وتهدف إلى رقمنة وأتمتة 100% من العمليات الحكومية، واعتماد الحوسبة السحابية السيادية، ونشر أكثر من 200 حل من حلول الذكاء الاصطناعي عبر الكيانات الحكومية.
لا تسعى الاستراتيجية فقط إلى نقل الخدمات إلى المنصات الرقمية، بل تسعى أيضًا إلى إعادة تصميم العمليات الحكومية لجعلها أكثر تكاملاً واستباقية، باستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة التشغيلية وتسريع تقديم الخدمات ودعم عملية صنع القرار.
على الرغم من اختلاف الظروف المؤسسية والاقتصادية لمصر عن تلك الخاصة بأبو ظبي، إلا أن التجربة تسلط الضوء على أهمية ربط تبني التكنولوجيا بالتغييرات في العمليات الإدارية وقدرات القوى العاملة في القطاع العام.
“إحدى العقبات الرئيسية أمام تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع هي الفجوة بين وتيرة التطور التكنولوجي وقدرة المؤسسات والموظفين على التكيف”، وفقًا للهوي.
أشار الحاوي إلى أن تبني الذكاء الاصطناعي بحد ذاته يمثل تحدياً كبيراً، مُلفتاً الانتباه إلى المخاوف بشأن التقنيات غير المألوفة، والقلق من إمكانية استبدال الذكاء الاصطناعي للوظائف. وأضاف أن معالجة هذه المخاوف تتطلب استثماراً مستداماً في الموارد البشرية والتدريب وتوفير الأدوات المناسبة.
وجادل بأن الموظفين بحاجة إلى فهم كيفية استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، وما هي الأدوات الآمنة والمناسبة لعملهم، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تحسن أدائهم.
وأضاف أن هذا الاستعداد ليس عملية لمرة واحدة، بل هو عملية مستمرة مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي وممارسات مكان العمل.
يهدف برنامج “AiNative” في أبوظبي، الذي أطلقته دائرة الطاقة الحكومية بالتعاون مع OpenAI ومايكروسوفت وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، إلى تدريب 20 ألف موظف حكومي بحلول نهاية عام 2026، مع توسيع نطاق فرص تعلم الذكاء الاصطناعي لتشمل عامة الناس. ويوفر البرنامج تدريباً عملياً على أدوات مثل ChatGPT وCodex وMicrosoft 365 Copilot، إلى جانب دورات متخصصة في البرمجة وتحليل البيانات، كما يشجع على استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والتوظيف والمشاريع الصغيرة والحياة اليومية.
بالنسبة لمصر، تثير هذه التجربة تساؤلات حول كيفية ضمان امتلاك موظفي الخدمة المدنية للمهارات الرقمية اللازمة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية، لا سيما مع انتقال التطبيقات من المشاريع التجريبية إلى العمليات الحكومية الروتينية.
يجب أن يتناول التدريب أيضاً حدود أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويبقى الإشراف البشري مهماً عندما تتعامل التطبيقات مع معلومات حساسة، أو تقدم إرشادات موجهة للجمهور، أو تدعم القرارات التي تؤثر على المواطنين، وفقاً للهاوي.
بدأت مصر بتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي المصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتها اللغوية والإدارية.
في القمة الافتتاحية للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وأفريقيا التي عقدت في القاهرة في فبراير، أعلنت وزارة الاتصالات عن العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوطنية، بما في ذلك الكرنك، وهو نموذج لغوي كبير تم تطويره محليًا ومصمم لدعم اللغة العربية والتطبيقات الخاصة بمصر.
كما كشفت الوزارة عن نظام “أكوا” الذي يستخدم معالجة اللغة الطبيعية لمراجعة المكالمات الواردة إلى مركز خدمة “مصر الرقمية” وتحديد المعلومات غير الدقيقة أو الممارسات غير المهنية. أما نظام “رياكت” فهو مساعد ذكاء اصطناعي مصمم لدعم موظفي خدمة العملاء.
توفر هذه التطبيقات نقطة انطلاق لدمج الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات العامة. يركز تطبيق كارناك على إمكانيات اللغة ذات الصلة بالسياق المحلي، بينما يستهدف تطبيقا أكوا ورياكت جوانب جودة الخدمة ودعم الموظفين.
لكن تأثيرها الأوسع سيعتمد على مدى فعالية دمجها في سير العمل الحكومي، ومدى موثوقية أدائها، وما إذا كان بإمكان الموظفين استخدام مخرجاتها بشكل مناسب.
كما تناول استطلاع عالمي أجرته مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) عام 2026، والذي عُرض خلال الفعالية، مدى رضا الجمهور عن الخدمات الحكومية الرقمية. وشمل الاستطلاع 48,500 مشارك من 44 دولة، يمثلون نحو 70% من سكان العالم، بما في ذلك مصر وكينيا والمغرب ونيجيريا وجنوب أفريقيا.
لم تُقدّم النتائج المنشورة تصنيفًا منفصلاً لرضا الجمهور عن الخدمات الحكومية الرقمية في مصر. ولذلك، يُوفّر الاستطلاع سياقًا دوليًا أوسع لدراسة هذه الخدمات، بدلاً من أن يكون أساسًا لاستنتاج أداء مصر النسبي.
“إن رضا الجمهور هو المفتاح لتقييم ما إذا كانت المبادرات الرقمية تحقق تحسينات عملية. إن توفر خدمة عبر الإنترنت أو تطبيق ذكاء اصطناعي لا يعني في حد ذاته أن المواطنين يحصلون على خدمات أسرع أو أكثر دقة أو أكثر سهولة في الوصول إليها”، هذا ما قالته فيرجينيا ديغنوم، أستاذة الذكاء الاصطناعي المسؤول ومديرة مختبر سياسات الذكاء الاصطناعي في السويد، لصحيفة الأهرام الأسبوعية.
وتسعى أبوظبي أيضاً إلى توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل عمليات تنظيمية أوسع نطاقاً، وليس فقط التطبيقات الحكومية الفردية.
خلال الحدث، وقعت شركتا Solutions+ و Inception42 اتفاقية لتسريع نشر Catalyst، وهي منصة ذكاء اصطناعي وكيلة مصممة لدمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأتمتة سير العمل وربطها بالأنظمة الحالية مع الحفاظ على الأمن والحوكمة.
بخلاف الأدوات التي تتعامل مع المهام الفردية، يمكن للذكاء الاصطناعي الوكيل تنفيذ تسلسلات من الإجراءات المترابطة، مما قد يؤدي إلى أتمتة عمليات أكثر تعقيدًا ولكنه يثير مخاوف بشأن حماية البيانات والإشراف البشري والمساءلة.
تُعدّ هذه الاعتبارات ذات أهمية بالغة للحكومات التي تسعى إلى توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على ثقة الجمهور. وتُعتبر القواعد الواضحة التي تُنظّم الوصول إلى البيانات، والإشراف على العمليات الآلية، وتحديد المسؤولية عن الأخطاء، أموراً أساسية عندما تُصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من تقديم الخدمات العامة.
تستثمر دولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً في المواهب الرقمية المستقبلية. وخلال الفعالية، أعلن مكتب الذكاء الاصطناعي التابع لحكومة الإمارات العربية المتحدة ودائرة الطاقة الرقمية في أبوظبي عن مبادرة أبوظبي للمواهب الرقمية، بهدف تعزيز المهارات الرقمية لدى الشباب ومواءمة التعليم الجامعي مع احتياجات سوق العمل.
تهدف هذه المبادرة، التي تكمل تدريب AiNative للموظفين الحكوميين الحاليين، إلى إعداد الشباب للوظائف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال الجمع بين تدريب القوى العاملة والجهود المبذولة لتطوير الجيل القادم من المتخصصين الرقميين.
بالنسبة لمصر، يكمن الدرس الأوسع في أن الانتقال من الرقمنة إلى الحكومة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتجاوز مجرد إدخال تقنيات جديدة. فهو يتطلب دمج التطبيقات في المؤسسات العامة، وتدريب الموظفين، وحماية البيانات، وتحديد آليات مساءلة واضحة للأنظمة المستخدمة.


