تتجه الولايات المتحدة ودول أوروبية نحو بلورة خطة سلام جديدة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، تقوم على أربع ركائز رئيسية تشمل إعادة إعمار أوكرانيا، وتوفير ضمانات أمنية تحول دون تجدد القتال، وإقامة شراكات اقتصادية في قطاع الطاقة، إلى جانب التوصل إلى وقف لإطلاق النار عند خطوط المواجهة الحالية.
وتأتي التحركات الدبلوماسية في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وكييف توترات متزايدة، على خلفية الاتفاق الأميركي بشأن صادرات الديزل الروسي، وتهديد إدارة الرئيس دونالد ترمب بتقليص التعاون الاستخباراتي مع أوكرانيا.
اجتماع في فلوريدا لبحث التسوية
شهدت ولاية فلوريدا الأميركية اجتماعاً استمر نحو ست ساعات، بمشاركة المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ومسؤولين من أوكرانيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، لبحث إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية توقف الحرب.
وتركزت المناقشات على صياغة اتفاق يقدم حوافز اقتصادية وأمنية لكل من موسكو وكييف، بما يساعد الطرفين على قبول تنازلات متبادلة تمهد لإنهاء العمليات العسكرية.
وتسعى واشنطن، من خلال هذه المبادرة، إلى ربط التسوية العسكرية بترتيبات اقتصادية وأمنية طويلة الأمد، بدلاً من الاكتفاء باتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار.
إعادة إعمار أوكرانيا
تتمثل الركيزة الأولى في إطلاق برنامج واسع لإعادة إعمار أوكرانيا، بمشاركة مؤسسات مالية دولية وجهات استثمارية، من بينها البنك الدولي وشركة «بلاك روك».
ويستهدف البرنامج إعادة بناء المناطق المتضررة من العمليات العسكرية، ودعم الاقتصاد الأوكراني، وتوفير مساعدات لأسر الجنود القتلى والمصابين.
وطلب المفاوضون الأميركيون من السلطات الأوكرانية إعداد تقديرات تفصيلية لحجم التمويل المطلوب، مع تقديم ضمانات تكفل الشفافية وتمنع إساءة استخدام أموال إعادة الإعمار.
ضمانات أمنية لمنع اندلاع حرب جديدة
تركز الركيزة الثانية على توفير ضمانات أمنية لأوكرانيا، تتضمن تعهدات أميركية وأوروبية بالتحرك العسكري في حال تعرضها لهجوم روسي جديد.
وتقترب هذه الترتيبات، وفق التصورات المطروحة، من طبيعة الحماية الجماعية التي يوفرها حلف شمال الأطلسي لأعضائه، دون أن يعني ذلك بالضرورة انضمام أوكرانيا إلى الحلف.
وفي المقابل، تتضمن المناقشات إمكانية التفاوض بشأن ترتيبات أمنية بين روسيا والدول الأوروبية، بهدف معالجة المخاوف الأمنية المتبادلة، دون التوصل حتى الآن إلى تفاصيل نهائية بشأنها.
اتفاق للطاقة ورفع تدريجي للعقوبات
أما الركيزة الثالثة، فتقوم على تعزيز الروابط الاقتصادية بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا، من خلال اتفاقات في قطاع الطاقة تتيح استئناف التعاون الاقتصادي ضمن ترتيبات جديدة.
وتشمل المقترحات إمكانية إنشاء خط أنابيب لنقل النفط والغاز الروسيين إلى الأسواق الأوروبية، مع تقاسم العائدات بين موسكو وكييف.
ويراهن أصحاب المقترح على أن هذا التوجه قد يسهم في خفض تكاليف الطاقة داخل أوروبا، ويوفر في الوقت نفسه موارد مالية تساعد على دعم الاستقرار الاقتصادي بعد انتهاء الحرب.
كما تتضمن المناقشات وضع جدول زمني وآليات محددة لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، وصولاً إلى استعادة وصولها إلى الأسواق الأوروبية وفق شروط يتم الاتفاق عليها.
تجميد القتال عند خطوط السيطرة
تمثل الركيزة الرابعة التحدي الأكبر أمام المفاوضات، إذ تقضي بوقف إطلاق النار عند خطوط التماس الحالية بين القوات الروسية والأوكرانية.
ومن شأن هذا المقترح أن يؤدي إلى استمرار السيطرة الروسية الفعلية على الأراضي التي تحتلها قوات موسكو، بما في ذلك مناطق من إقليم دونباس، دون أن يعني ذلك بالضرورة اعتراف كييف القانوني بالسيادة الروسية عليها.
وتواجه هذه الصيغة عقبات سياسية وعسكرية معقدة، في مقدمتها صعوبة قبول أوكرانيا بتجميد النزاع دون استعادة أراضيها، فضلاً عن عدم وضوح موقف موسكو من التخلي عن أهدافها العسكرية مقابل المكاسب الاقتصادية والأمنية المطروحة.
ويزيد استمرار العمليات العسكرية من تعقيد الموقف، خصوصاً أن خطوط السيطرة تتغير بصورة متكررة، الأمر الذي يجعل تحديد الحدود الميدانية لأي وقف لإطلاق النار مسألة شائكة.
تسوية مرتقبة أم خلافات تعرقل المفاوضات؟
ورغم التحركات الأميركية الأوروبية، لا تزال المبادرة في مرحلة المناقشات الأولية، ولم تتحول إلى اتفاق نهائي ملزم للأطراف المتحاربة.
وتبقى قدرة المفاوضين على التوفيق بين المطالب الروسية والأوكرانية العامل الحاسم في مستقبل الخطة، وسط استمرار الخلافات بشأن الأراضي المحتلة والضمانات الأمنية والعقوبات الاقتصادية.
وتكشف طبيعة المقترحات المطروحة عن محاولة لربط إنهاء الحرب بمصالح اقتصادية وأمنية مشتركة، لكن نجاحها يظل مرهوناً باستعداد موسكو وكييف لتقديم تنازلات بشأن القضايا الأكثر تعقيداً.


