لم يكن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد استعراض للمواقف الأمريكية تجاه إيران، بل حمل رسائل سياسية وعسكرية واقتصادية متداخلة، بعدما وضع الرئيس الأمريكي طهران أمام خيارين كما عرضه بنفسه: التوصل إلى اتفاق، أو مواجهة ما وصفه بإمكانية «القضاء على الجمهورية الإسلامية».
وجاء ذلك في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المسار الدبلوماسي المتعثر، بينما يربط ترمب توقيت الاتفاق المحتمل بما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.
خطاب يفتح باب التصعيد
حاول ترمب خلال خطابه الذي استمر 37 دقيقة تقديم الحرب على إيران باعتبارها عملية هدفت إلى منع طهران من امتلاك سلاح نووي، لكنه في الوقت نفسه أبقى الباب مفتوحاً أمام التسوية السياسية.
وقال إن أمامه قراراً وصفه بالمصيري، بين إبرام اتفاق يسمح لإيران بإعادة البناء، وبين القضاء على الجمهورية الإسلامية إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم ينهي الصراع.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها صدرت من منبر الأمم المتحدة، وفي وقت تستمر فيه الحرب منذ أشهر، فيما لم تنجح الضغوط العسكرية والاقتصادية حتى الآن في إنتاج تسوية نهائية.
وبحسب رويترز، توقع ترمب أن يتم التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، داعياً الدول الأخرى إلى المشاركة في عزل طهران اقتصادياً لدفعها نحو طاولة المفاوضات.
تناقض بين التهديد والتفاوض
المفارقة الأبرز أن التصعيد الكلامي في الأمم المتحدة تزامن مع تحرك دبلوماسي خلف الكواليس.
فبعد الخطاب، قال ترمب إن مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عقدا اجتماعاً استمر ثلاث ساعات ووصفه بأنه مثمر، قبل أن يوضح أن اللقاء لم يكن مباشراً مع المسؤولين الإيرانيين، وإنما جرى مع وسطاء.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الأزمة تعقيداً: واشنطن تستخدم التهديد العسكري والضغط الاقتصادي في الوقت الذي تحتاج فيه إلى قناة تفاوضية يمكن أن تنتج اتفاقاً قابلاً للتنفيذ.
ويرى الباحث ماكس بوت، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية، أن الصراع ترك تكاليف بشرية واقتصادية وعسكرية كبيرة، وأن قضية مضيق هرمز أظهرت قدرة إيران على تحويل الممر البحري الحيوي إلى ورقة ضغط استراتيجية.
وبذلك فإن أي اتفاق مستقبلي لن يكون متعلقاً بالبرنامج النووي وحده، وإنما سيشمل على الأرجح العقوبات، وأمن الملاحة، والقدرات العسكرية الإيرانية، ومستقبل الدور الإيراني في المنطقة.
الانتخابات تدخل حسابات الحرب
ربط ترمب الاتفاق المحتمل مع إيران بما بعد انتخابات التجديد النصفي يضيف بعداً داخلياً إلى الأزمة الخارجية.
فالحرب لم تعد ملفاً عسكرياً ودبلوماسياً فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بالنقاش السياسي داخل الولايات المتحدة حول كلفة التدخل الخارجي وانعكاساته على الاقتصاد والطاقة والإنفاق العسكري.
وأشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن الحرب مع إيران أصبحت مؤثرة في أجواء انتخابات التجديد النصفي، خصوصاً مع استمرار النقاش حول أسعار الوقود وتكاليف المعيشة وتعهد ترمب السابق بتجنب الحروب الخارجية.
وهذا يجعل الفترة المقبلة حساسة بالنسبة للإدارة الأمريكية؛ فكلما طال أمد الحرب، زادت الحاجة إلى إظهار نتيجة سياسية يمكن تقديمها للرأي العام الأمريكي باعتبارها مخرجاً للأزمة.
وفي المقابل، فإن التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات قد يفرض على الإدارة تقديم تنازلات يصعب تسويقها سياسياً، بينما استمرار الحرب يحمل كلفة اقتصادية وعسكرية وسياسية متزايدة.
إيران بين الضغط الأمريكي والحسابات الإقليمية
بالنسبة إلى طهران، لا تبدو المعادلة بسيطة. فالقبول باتفاق تحت تهديد «القضاء على الجمهورية الإسلامية» يمكن أن يفرض عليها تقديم تنازلات كبيرة، في حين أن رفض التفاوض قد يعني استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية.
وكانت إيران قد أكدت في مراحل سابقة استعدادها لمناقشة تسويات مرتبطة بالملف النووي مقابل تخفيف العقوبات، ما يشير إلى أن نقطة الخلاف الأساسية لا تتعلق برفض الدبلوماسية من حيث المبدأ، بقدر ما تتعلق بشروط الاتفاق وضماناته ونطاقه.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب تراجع الثقة بين الطرفين. فكل طرف يخشى أن تستخدم المفاوضات لإعادة ترتيب الأوراق قبل جولة جديدة من الضغط العسكري.
وتشير تحليلات منشورة في معهد تشاتام هاوس إلى أن الحرب أعادت تشكيل حسابات إيران الدبلوماسية والأمنية، فيما تواجه دول الخليج في الوقت نفسه معضلة الحفاظ على أمنها وتجنب اتساع نطاق المواجهة.
مضيق هرمز في قلب المعادلة
لا يمكن فصل التهديدات المتبادلة عن أهمية مضيق هرمز، الذي تحول خلال الأزمة إلى إحدى أبرز أوراق الضغط.
فالممر البحري لا يمثل قضية إيرانية أمريكية فقط، بل يرتبط بأمن الطاقة العالمي وحركة التجارة وأسعار النفط.
وأظهرت التطورات الأخيرة أن أي اضطراب طويل في الملاحة يمكن أن ينعكس على الأسواق العالمية، وهو ما يفسر اهتمام دول الخليج وتركيا ومصر وباكستان بالدعوة إلى الحفاظ على حرية الملاحة والبحث عن حلول دبلوماسية للصراعات الإقليمية.
وفي بيان مشترك صدر الثلاثاء، أكدت الدول الأربع دعمها لسلامة الملاحة في المنطقة، ودعت إلى الحوار والدبلوماسية كطريق للتعامل مع الأزمات.
كما أظهرت الأسواق خلال اليوم نفسه حساسية واضحة تجاه أخبار المفاوضات، إذ ساهمت آمال تخفيف التوتر في دعم بعض مؤشرات الأسهم، بينما ظل النفط قريباً من مستويات مرتفعة مع استمرار المخاوف بشأن مستقبل الإمدادات.
الأمم المتحدة أمام اختبار جديد
اختار ترمب منصة الأمم المتحدة للدفاع عن قراره بالحرب، لكنه في الوقت ذاته جدد انتقاداته للمنظمات الدولية، ولا سيما المحكمة الجنائية الدولية.
وجاء ذلك بعد أقل من أسبوع على إعلان بعثة أممية لتقصي الحقائق وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات الأمريكية ارتكبت انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب في ضربتين على إيران، بينها ضربة استهدفت مدرسة ابتدائية في ميناب.
وتظهر وثائق أممية أن معلومات تلقتها آليات حقوق الإنسان تضمنت تقارير عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين في هجمات على إيران، من بينها قصف مدرسة في ميناب أدى، وفق المعلومات الواردة إلى الأمم المتحدة، إلى مقتل ما لا يقل عن 168 شخصاً، معظمهم من النساء والفتيات.
ورفض ترمب أن تكون القوات الأمريكية خاضعة لسلطة المحكمة الجنائية الدولية، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تسمح بمحاكمة أفراد قواتها أمام جهة يعتبرها معادية لبلاده.
رسائل تتجاوز إيران
لم يقتصر خطاب ترمب على إيران. فقد تحدث عن فنزويلا وكوبا والمكسيك، وجدد تأكيده على ما يعتبره ضرورة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي.
كما تحدث عن أوكرانيا، والعلاقات مع اليابان، واللقاء المرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى جانب الذكاء الاصطناعي.
وهذا يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في تقديم الحرب مع إيران باعتبارها جزءاً من تصور أوسع لدور الولايات المتحدة في النظام الدولي، وليس أزمة منفصلة.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه واشنطن ملفات متزامنة: الحرب في إيران، الحرب الروسية الأوكرانية، التوتر مع الصين، وأزمات الأمن والطاقة في الشرق الأوسط.
ماذا بعد خطاب ترمب؟
المؤشرات الحالية لا تقدم نتيجة نهائية لمسار الحرب أو المفاوضات، لكنها تكشف عن مسارين يسيران بالتوازي.
الأول عسكري يقوم على إبقاء التهديد بالتصعيد قائماً، والثاني دبلوماسي يبحث عن صيغة تفاوضية يمكن أن تسمح للطرفين بالخروج من الحرب دون أن يظهر أي منهما وكأنه قدم تنازلاً استراتيجياً تحت الضغط.
ويعتقد محللون أن العقبة الرئيسية أمام أي اتفاق لن تكون مجرد عقد لقاء بين الأمريكيين والإيرانيين، وإنما الوصول إلى صيغة تتعامل مع الملفات الأكثر حساسية: البرنامج النووي، العقوبات، الضمانات، القدرات الصاروخية، أمن الملاحة، ودور إيران الإقليمي.
ومن هنا، فإن عبارة ترمب عن «قرار مصيري» تختصر مأزقاً أكبر من مجرد اختيار بين الحرب والسلام؛ فكلما ارتفع سقف التهديد الأمريكي، أصبحت العودة إلى التفاوض أكثر صعوبة، وكلما طال أمد الحرب، ارتفعت كلفة التسوية على الطرفين.
وفي المقابل، فإن استمرار الاتصالات عبر الوسطاء يعني أن باب التفاوض لم يغلق. وربما تكون الرسالة الأهم التي خرجت من نيويورك أن واشنطن لا تزال تريد اتفاقاً، لكنها تحاول الوصول إليه من موقع ضغط عسكري واقتصادي مرتفع.
ويبقى السؤال الحاسم خلال الأسابيع المقبلة: هل تتحول التهديدات التي أطلقها ترمب إلى جولة جديدة من التصعيد، أم تستخدم كأداة ضغط لانتزاع اتفاق مع طهران؟
الإجابة ستتوقف على قدرة الوسطاء على بناء حد أدنى من الثقة، وعلى استعداد واشنطن وطهران لتقديم تنازلات متبادلة، وعلى تأثير الحرب في الداخل الأمريكي قبل انتخابات نوفمبر، فضلاً عن موقف القوى الإقليمية والدولية التي باتت ترى أن استمرار المواجهة يهدد أمن الطاقة والملاحة والاستقرار في منطقة شديدة الحساسية.


