عاد الجنوب الليبي إلى واجهة الأحداث الأمنية بعد هجوم مسلح استهدف مواقع تابعة للقيادة العامة للجيش الليبي في إقليم فزان، في تطور يعكس هشاشة الأوضاع الأمنية في المنطقة التي تعد إحدى أكثر الساحات تعقيدًا على المستويين العسكري والجغرافي.
وأعلنت مجموعة مسلحة تطلق على نفسها اسم «غرفة عمليات تحرير الجنوب» مسؤوليتها عن تنفيذ الهجوم، مدعية استهداف مواقع عسكرية قالت إنها متورطة في أنشطة تهريب الوقود والمخدرات، مؤكدة أنها سيطرت على عدد من الآليات العسكرية وأَسرت عناصر من القوة المستهدفة، مع التلويح بتنفيذ عمليات جديدة خلال الفترة المقبلة.
وفي المقابل، لم تصدر القيادة العامة للجيش الليبي أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي ما أعلنته المجموعة، الأمر الذي أبقى تفاصيل العملية وحجم خسائرها غير واضحة حتى الآن.
بلدية سبها: الهجوم يهدد استقرار الجنوب
وفي أول موقف رسمي، أدان المجلس البلدي لمدينة سبها الهجوم، معتبراً أن استهداف المواقع العسكرية والبوابات الأمنية يمثل تهديدًا مباشراً للاستقرار، وداعياً جميع المكونات الاجتماعية والقبلية إلى ضبط النفس والحفاظ على السلم الأهلي، وعدم الانجرار وراء أي محاولات لإشعال التوترات في الجنوب.
ويعكس هذا الموقف حجم المخاوف من أن يؤدي الحادث إلى تصعيد أمني جديد في منطقة ترتبط فيها التحديات الأمنية بتشابكات قبلية وحدودية معقدة، فضلاً عن نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
لماذا يمثل الجنوب الليبي نقطة صراع دائمة؟
ويحظى إقليم فزان بأهمية استراتيجية كبيرة، إذ يشكل بوابة ليبيا نحو دول الساحل والصحراء، كما يضم عدداً من الطرق الصحراوية التي تستخدمها شبكات الهجرة غير النظامية والتهريب، إلى جانب قربه من حقول نفطية ومنشآت حيوية.
وخلال السنوات الماضية، نفذت القوات التابعة للقيادة العامة عمليات عسكرية واسعة لتأمين مدن الجنوب والطرق الحدودية والمنشآت النفطية، إلا أن الطبيعة الجغرافية الواسعة للمنطقة واستمرار نشاط الجماعات المسلحة جعلا فرض السيطرة الكاملة تحدياً مستمراً.
اختبار جديد للمسار الأمني
ويأتي التصعيد في توقيت تشهد فيه ليبيا محاولات لدفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية، خاصة بعد مشاركة وحدات من شرق وغرب البلاد في تدريبات عسكرية مشتركة بمدينة سرت ضمن مناورات «فلينتلوك»، بدعم من القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم).
ويرى مراقبون أن أي توتر أمني جديد في الجنوب قد يعرقل جهود تثبيت وقف إطلاق النار الموقع عام 2020، ويمنح الأطراف الرافضة للتسوية فرصة لإعادة إنتاج حالة الانقسام العسكري.
جماعة غامضة
وتعد «غرفة عمليات تحرير الجنوب» من الجماعات المسلحة التي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة في بعض مناطق فزان، وتعلن بين الحين والآخر مسؤوليتها عن هجمات تستهدف قوات القيادة العامة.
وتقول الجماعة إنها تسعى إلى محاربة التهريب والجريمة المنظمة، بينما تعتبرها القيادة العامة تنظيماً مسلحاً خارجاً عن سلطة الدولة. وحتى الآن، لا تتوفر معلومات موثقة حول حجمها الحقيقي أو هيكلها القيادي أو مصادر تمويلها، وهو ما يضيف مزيداً من الغموض إلى المشهد الأمني في الجنوب الليبي.
ويرى محللون أن استمرار مثل هذه الهجمات يعكس أن الجنوب الليبي سيظل أحد أكثر الملفات الأمنية تعقيداً، في ظل اتساع حدوده الصحراوية، وتشابك المصالح القبلية والإقليمية، واستمرار نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، بما يجعل أي تصعيد ميداني هناك محل متابعة إقليمية ودولية.






