الأفكار العدمية في السياسة أو الحياة بشكل عام خطرة، ومضرة، لأنها تنشر الإحباط، والإحساس بالعجز، عندما يتظاهر عدة أشخاص في أي عاصمة من أجل المستضعفين في فلسطين، نشكرهم، ونستحثهم على مواصلة التضامن، والاستمرار، حتى تبقى القضية حاضرة أمام الإعلام وأمام العالم، ويشعرون بالغضب الكامن في قلوب ملايين المسلمين حول العالم، هذا الإنسان الذي خرج بعد صلاة الفجر في إسطنبول، وسط درجة حرارة اثنين تحت الصفر، استجابة لضميره الحي، ونداء نصرة لفلسطين، نحن نشكره ونبارك فعله، ونقول له: أكثر الله من أمثالك، لا أن نسخر منه، ونقول له: وماذا أفدت فلسطين بوقفتك هذه في الثلج.
لا يصح أن يقال: وماذا تفعل المظاهرات لفلسطين أو معاناة أهلها، هذا هراء وسطحية في فهم حسابات السياسة، هناك أفعال تظهر آثارها سريعا، وهناك أفعال قد لا تظهر سريعا لكنها مؤثرة جدا في القرارات، من استطاع أن يهتف فليهتف ومن استطاع أن يقاوم فليقاوم، ومن استطاع أن يدعو فليدعو، ومن استطاع أن يساعد بشطر تمرة أو شطر كلمة فليفعل، والكل مشكور، والكل مدعو، والنصر هو حصاد جهود متعددة ومتضافرة بفعاليات مختلفة، تجتمع كلها نحو هدف واحد، تقويه، وتقرب الوصول إليه.
المؤسف أن غالب من يسخرون من الأفعال القليلة، لا يجرؤون على أن يأتوا بمثلها أو بنصفها، هو جبان، هو عاجز عن أن يحمل ورقة ويقف بها في الشارع دعما لفلسطين، ولكن عندما يرى الملايين تنزل الشوارع غضبا من أجل فلسطين يسخر منهم، ويتمطع ويقول: وماذا تفعل المظاهرات، هو لا يفعل سوى “الهبد” على الموبايل لينشر في مواقع التواصل سخرية وإحباطا وإضعافا لمن يحاول أن يفعل شيئا على قدر جهده، ونفس هذا “الكائن” إذا لم تخرج مظاهرة تساءل بغضب مصطنع: أليس غريبا ألا تخرج مظاهرة واحدة تغضب لفلسطين، أليس غريبا أن لا نسمع صوتا يهتف من أجل فلسطين في أي عاصمة عربية، أليس غريبا أن تتحول عواصم العرب والمسلمين إلى قبور صامتة أمام ما يحدث في فلسطين.
هؤلاء أقرب للنفاق منهم للإيمان، بأي قضية، وكثير منهم لجان مدفوعة الأجر من قبل أنظمة يستفزها أن تخرج مظاهرة كبيرة من أجل فلسطين في عاصمة عربية أو إسلامية، بينما هم يحظرون أن يتظاهر اثنان في ناصية أي شارع من أجل فلسطين.
وكان من هدي النبي الكريم: “لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق”، وابتسامك في وجه أخيك الذي ربما كان محتاجا أو مريضا، لن ينقذه، ولن يخرجه فورا من حاله، ولكن أثره قد يكون كبيرا على معنوياته، على روحه، على تفاؤله، على تمسكه بالأمل، على إدراكه أن هناك إنسانا يشعر به، ويحبه، ويهتم بأمره.
شكرا لكل من قدم من أجل فلسطين، أو أي قضية عادلة، أي جهد، ولو شطر كلمة إنصاف، أو تجشم عناء الخروج من بيته فجرا في درجة حرارة تحت الصفر، من أجل أن يقول للفلسطينيين: نحن معكم، لن ننساكم، ولن نصمت على ظلمكم، وسنفعل ما بوسعنا من أجلكم، شكرا لكم، ولا عزاء للتافهين المثبطين.







