غضب اردوغان من الانقلاب على المسار الديمقراطي في مصر عام 2013، كان طبيعيا، بقدر ما كان عنيفا، كان غضبا مفهوما ومنطقيا، وليس مفاجئا، خاصة مع ما شهده من أحداث دموية مثل مذبحة ميدان رابعة وسط القاهرة، والتي أصبحت رمزا لاستباحة الدماء، واستخدم اردوغان مرارا شارة رابعة في خطاباته، واحتضن اردوغان المعارضين المصريين الهاربين من محرقة الانقلاب، وبسط عليهم الأمان والحماية، ومنحهم وثائق إقامة قانونية، وكثير منهم حصل على الجنسية التركية أيضا، بما يسهل له الحركة والسفر والتنقل، فعل اردوغان ذلك تعاطفا مع ضحايا، لسابق خبرته بمعاناة تركيا ـ ومعاناته هو شخصيا ـ من الانقلابات العسكرية، وما تعنيه سيطرة العسكر على مقاليد الحكم، والدموية التي تتصف بها الانقلابات عادة، كما كانت تركيا نفسها مهددة من الداخل والخارج بانقلابات مشابهة، وقد وقع الانقلاب العسكري في تركيا 2016 بالفعل، بعد ثلاث سنوات فقط من الانقلاب في مصر، لكن تم إجهاضه بمعجزة، بما يعني أن تركيا لم تكن في ظرف يسمح لها بالتسامح مع أي انقلاب عسكري في المنطقة، فموقف اردوغان ليس مصلحيا، بل هو مبدئي بالفعل، لأنه هو نفسه ورفاقه دفعوا ثمن الانقلابات من قبل.
لكن الذي حدث بعد ذلك، وغير مجرى الأمور في مصر وخارجها، أجبر مؤسساته وأجهزته على إعادة النظر في مجمل الموقف، فالنظام في مصر امتلك في بداياته حاضنة شعبية واضحة، كما حظي تدريجيا على قبول دولي واعتراف بشرعيته من المؤسسات الدولية، بعد أن كانت تدير ظهرها له وتندد بنظامه وترفض الاعتراف بشرعيته، فأصبحت الدولة التركية أمام واقع سياسي جديد في أكبر وأهم دولة عربية في المنطقة، لا يمكنها إنكاره أو تجاهله، ولا يمكن إخضاع مصالح حيوية لأكثر من 80 مليون إنسان في تركيا لعواطف اردوغان الشخصية، على الجانب الآخر كان أداء المعارضة المصرية في تركيا مخيبا للآمال، فلا هي استطاعت أن تصنع رؤية سياسية واقعية يحترمها العالم أو يتعاطى معها، ولا هي امتلكت أداء سياسيا جادا، ولا بدا فيها أي خبرات سياسية يمكن التعاطي معها كرجال دولة، إضافة لما أصابها من التمزق والتفتت والتراشق بالاتهامات بين كتلها المتصارعة وانشغالها بمصالح خاصة وأسرية في معظمها، وهي حالة يصعب على تركيا أن تتعاطى معها أو أن ترهن قرارها الاستراتيجي في المنطقة وفق أحلامها، فكان القرار هو المضي في تجديد بناء الجسور مع الدولة المصرية، وتصفير الخلافات، لبناء شراكة استراتيجية جديدة.
تركيا تمتلك ميراثا عريقا في الديبلوماسية، مؤسسة ورثت خبرات امبراطورية كانت تدير شؤون نصف الكرة الأرضية، تتصف تحركاتها عادة بالتروي وطول البال أو ما يسمى “الصبر الاستراتيجي” والعمل البناء بعيدا عن الضوء والصخب، لذلك أعتقد جازما أن “ملف المعارضة المصرية في تركيا” هو أحد الملفات الحاضرة على جدول أي مباحثات بين مؤسسات البلدين، وأن هناك اهتماما مشتركا بتفكيك هذه العقدة، بل ربما تذهب التوقعات إلى أن هذه النقطة ربما كانت جزءا من حوار اردوغان مع السيسي في زيارته الأخيرة.
هناك طريقان لا ثالث لهما في سبيل تفكيك تلك العقدة، إما إبعاد المعارضة المصرية من تركيا، وإما تسوية ملفاتهم سياسيا وقانونيا في القاهرة، الحل الأول مستبعد إلى حد كبير، لأن السياسة التركية تستقبح هذا السلوك من باب الكرامة الوطنية كدولة كبيرة، حتى أيام حكم العسكر فيها لم تفعله مع من لجأوا إليها، كما أن طبيعة اردوغان الشخصية والدينية لا تسمح له بذلك، إضافة إلى أن الكثير من المعارضين أصبحوا مواطنين أتراكا، ولهم مصالح وشركات وشبكة علاقات اجتماعية وأسرية، كما أن التزام تركيا بمواثيق دولية تتعلق بحماية اللاجئين لا تسمح لها بعكس ذلك.
الحل الثاني أن تنخرط الأجهزة والمؤسسات في الدولتين لصياغة حل سياسي وقانوني تقبله مصر، وهي مسألة لم تعد بعيدة المنال، ولا مستحيلة، ولا يمكن فهم حديث السيسي في احتفالات عيد الشرطة الأخيرة عن “أنهم لو كانوا قبلوا المشاركة لما حدث ما حدث”، وترحمه على الرئيس مرسي أمام الشاشات، وتأكيده أنه لو قبل خطة 3 يوليو لأمكنه أن يترشح في الانتخابات المبكرة، بما يعني أنه لا يؤخذ عليه أي اتهامات تقدح في وطنيته ونزاهته، وهي كلها تصريحات حساسة لا يمكن أن تصدر عفويا، فالسيسي شديد الدهاء، وكثيرا ما يلقى بكلمات يتبين بعدها أنها كانت تمهيدا لخطوات تحققت بالفعل.
فهل يكون هذا السيناريو ـ تسوية قانونية وسياسية مشروطة مع المعارضة في الخارج ـ هو الأقرب لتفكيك “عقدة” المعارضة المصرية في تركيا، وعدم تركها بؤرة تهديد لمصالح كبيرة لمصر ولتركيا معا، أعتقد أن هذا المسار سيكون بديلا مرجحا، خاصة وأن جماعة الإخوان من جانبها أعلنت أكثر من مرة أنها لن تخوض الصراع السياسي المباشر لفترة لا تقل عن عشر سنوات، وهناك أصوات كثيرة داخلها تدعو لعودة الجماعة للعمل الخيري والدعوى وعدم الانشغال في السياسة، كما أن سقف مطالبها الآن لا يتجاوز إطلاق سراح المعتقلين، دون الحديث عن شرعية النظام نفسه كما كان في السابق.
في السياسة يقولون: لا توجد عداوات دائمة، ولا صداقات دائمة، وإنما توجد مصالح دائمة، وهذا يسري على الدول كما يسري على الجماعات والأحزاب السياسية.
جمال سلطان يكتب: الانفتاح المصري الكبير على تركيا وأثره على الداخل (1ـ 2)


