حاتم سلامة يكتب: الوجه الآخر لهند
ما عرف من النساء أشد عداوة للإسلام والمسلمين والرسول صلى الله عليه وسلم كما عرفت هند بنت عتبة رضي الله عنها في جاهليتها، وما كان من النساء من بينهن وبين الإسلام ثأر كما كان لها.!
ولم لا؟ وقد فجعها الإسلام في أعز ما لديها من رجال الدنيا في أبيها وأخيها وعمها.
وليس هذا الكره استنتاجًا أو توقعا، ولكنه تصريحها الذي أعلنته وأظهرته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، حينما جاءته مسلمة موحدة فقالت له: (والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك)
والخباء هو الخيمة من وبر وصوف ثم صارت تطلق على البيت عموما، فهي كانت تحب وترغب أن يذل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
ونحن أمام هذا التصريح المعلن نجد أنفسنا حسب ما قصت الأنباء والسير أمام امرأة لم تفرط في معاني الشهامة والمروءة والنبل رغم جرحها الغائر، وثأرها المشتعل.
هل تتخيل معي هذا المشهد الغريب الذي رفعت به هند من معدن ونفاسة المرأة العربية؟
يقول المؤرخون:” وكان لهند في جاهليتها موقف مع زينب بنت المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد كانت بمكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يأتيه بها إلى المدينة، وكان ذلك بعد ((بدر)) ولم تجف دماء قريش بعد، وكانت ((هند)) قد أصيبت بأبيها وأخيها وعمها، وكانت تطوف على مجالس قريش وأنديتها تُذكي نار الثأر، وتؤجج أوار الحرب، وفي الطريق لقيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد تسرَّب خبر استعدادها للخروج لأبيها فقالت هند: أي بنت محمد: بلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك!!.. أي إبنة عمي، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يعينك في سفرك، أو بمال تبلغين به إلي أبيك، فعندي حاجتك فلا تستحي مني، فإنه لا يدخل بين النساء ما يكون بين الرجال، تروي زينب رضي الله عنها ذلك، وتقول: ووالله ما أراها قالت إلا لتفعل.
ثم يوم خروج زينب يتعرض لها رجال من قريش، يريدون إرجاعها، فتسقط من على ناقتها وكانت حاملاً، فتنزف، وتسمع هند، فتخرج مسرعة وترفع عقيرتها في وجه قومها: معركة مع أنثى عزلاء؟ أين كانت شجاعتكم يوم بدر؟ وتحول بينهم وبين زينب وتضمها إليها وتمسح عنها ما بها، وتصلح شأنها، حتى استأنفت الخروج إلى أبيها في أمن وأمان.”
وأمام هذا النص نستجلي بعض المعاني المهمة:
– لقد كانت في حالة حزن عاصف وثأر تشتعل ناره في جنبات قلبها مما دعاها تطوف على بيوت الناس وأنديتهم تجدد ذكرى الثأر وتطالب به ومعنى هذا أنها لو لقيت أي خيط يمت للإسلام والمسلمين بصلة لأحرقته ومزقته، ولكنها لم تنس معالم النيل والشهامة حينما لقيت زينب، واستطاعت أن تنتصر على هوى النفس فلا تعاقبها بذنب أبيها لديها.
– يقف العقل مدهوشا أمام عرضها المال على زينب حتى تهاجر إلى أبيها، وهي لا تعني هجرة بنت إلى والدها ولكنها تعني في المقام الأول هجرة لوطن الأعداء الذين قتلوا ذوي رحمها، وتعني كذلك أن تكون هجرة للدولة الناشئة المناوئة فتعمل على نموها وكثرتها. ومع هذا تعرض عليها المال والمساعدة.
– لم يكن عرض المال من هند على زينب مجرد مجاملة، وإنما قالت لها بحنان بالغ : لا تستحي مني في أن تطلبي المال الذي يبلغك إلى أبيك، وهو ما يعني الصدق في العرض، والمزيد في الحب والرفق، لابنة العدو والقاتل، فتؤكد لها بقولها: (فإنه لا يدخل بين النساء ما يكون بين الرجال) وهو ما يشير إلى عقلها الحكيم في ظل أناس تغيب عقولهم إذا قتل ذويهم فيدفعهم الانتقام إلى العمى الساحق ليأكلوا الأخضر واليابس ولا يبقوا على شيء من طرف الخصوم. حتى أن زينب أقسمت بأنها تفعل من صدق ما رأته في حديثها وعطفها.
– وحينما سقطت زينب من فوق دابتها بسبب اعتراض الرجال لها فنزفت وتألمت، هبت هند لتدافع عنها وتنصرها وتوبخ هؤلاء فقدانهم للرجولة، فتقول: ( معركة مع أنثى عزلاء؟ أين كانت شجاعتكم يوم بدر؟) ورغم أن الرد من هؤلاء الرجال كان يمكن أن يكون مقنعا بأن زينب بنت ذلك الرجل الذي هزمنا في بدر، أو أنها ابنة الرجل الذي تسبب في قتل أبيك وأخيك وعمك، ولكن ذلك الحساب يغلق تماما ولا يكون له جدوى حينما يفقد الرجل شرفه أمام امرأة، فيعاملها بقسوة ويستحل ضعفها، ويستبيح وحدتها.
ما أروع هند في شهامتها ومروءتها التي ردت بها صنيع السفهاء من الرجال، وإنها لشهامة خلدها التاريخ ونبل يظل ماثلا للعبرة على طول الزمان، فأمام هذا القلب الذي يمتلئ بالسواد للإسلام والمسلمين، لم تنس هند إنسانيتها ومروءتها وشهامتها العربية، واستطاعت أن تنتصر على وتر الحقد المستعر، لتعزل زينب عن ذنب أبيها، ولا تؤاخذها بما صنع بها دينه من مقاتل قومها، فكانت بموقفها آية في الشرف والسمو.
إن هندا لا تعرف إلا بأنها قاتلة حمزة، بينما للمرأة في صفحات التاريخ ما يدلل على سموها وشرفها.