البداية من المسجد
في ربيع العمر، ارتبطت أيامي بالمساجد، فكانت مدرستي الأولى التي أضاءت دروب المعرفة وفتحت لي آفاق التربية الشاملة المتكاملة. ولا أنسى فضل شيخي الإمام العالم الطاهر بالرابح -رحمه الله- الذي كان يشرف على حلقات العلم في مسجد أبي بكر الصديق ببلدتنا.
منهج التربية المتوازنة
كان الشيخ يجمع بين تعليمنا العلم المتصل بمشكاة النبوة، وبين ترغيبنا في الخير عملياً. بأسلوب مرح ولطيف، كان يحبب لنا الجنة، قائلاً: “من يريد أن يجمع مهر الحور العين، بجمع له قمامات الأوساخ من المساجد؟”. فكنا نسرع بتنظيف المسجد وتطييبه كل خميس استعداداً ليوم الجمعة، ونطير فرحاً بهذه الواجبات العملية التي كانت انطلاقتنا الأولى في العمل التطوعي.
التأصيل الشرعي للعمل التطوعي
كان شيخنا يؤصل العمل النفعي التطوعي شرعياً، مستشهداً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ابنوا المساجد، وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة، وإخراج القمامة منها مهور الحور العين”.
امتداد الأثر عبر الزمن
مرت السنوات ومازال طيف تلك التربية يرافقنا رغم تقدم العمر، دافعاً لنشارك في مشاريع التطوع النافعة. وما أحوج شباب اليوم لاقتفاء أثر شيوخ التربية، ليأخذوا بأيدي أبنائنا نحو طريق السعادة.
توسعة المفهوم
لا يقتصر مفهومنا للتدريب العملي على تنظيف بيوت الله وتعطيرها، بل يتجاوزه إلى مفهوم أوسع للنفع العام، ببناء مشاريع تطوعية نافعة تستوعب الطاقات الشبانية الهائلة التي تنتظر التأطير.
استثمار الخبرات
أتعجب لحالنا حين أنظر إلى الكم الهائل من إطاراتنا التربوية الذين يعيشون البطالة بعد التقاعد، بينما أبناؤنا محرومون من مرافقتهم ودعمهم وتوجيههم. ما الذي يمنع الجهات المختصة من تسند الدعم الدراسي والمعالجة التربوية لأهل الخبرة من أبناء القطاع في مدارسنا؟ يمكن تنشيط البرامج اللاصفية المبرمجة في المناهج التربوية، والتي لا تزال حبراً على الورق، عبر هذا الباب الواسع للعمل التطوعي التعليمي.
مجالات التطوع المتعددة
تظل المشاريع التطوعية مفتوحة الأبواب، تستوعب المشاريع الصحية حيث يمكن للأعوان في كل التخصصات تأطير الفعل التطوعي الميداني لرعاية المحتاجين. هذه الجهود تكون دعماً للمؤسسات الصحية، كما رأينا خلال جائحة كورونا التي أربكت العالم وأظهرت أهمية التضافر المجتمعي.
رؤية مستقبلية
أحسب أن ميدان العمل النفعي التطوعي لا يمكن تجاهله في البناء الحضاري لأمتنا. حاجتنا اليوم ملحة لاستغلال الموارد البشرية والمادية المتاحة وضمها لخدمة الصالح العام.
دعوة للعطاء
فلنشارك جميعاً في مشاريع النفع كسباً للأجر والمثوبة، ولنقبل على الخيرات نطرق بابها، ونسهم مع الخيرين، ونساعد المحتاجين الذين ينتظرون خدماتنا، ونرافق الجمعيات التي تقدم الخدمات، فالحمل ثقيل ولا يمكن لجهود المؤسسات والجمعيات وحدها التكفل به لولا تعاضد جهود الجميع.







