لم تكن الحرب الباردة مواجهة عسكرية تقليدية بقدر ما كانت صراعًا خفيًا على الوعي والذوق والمعنى.
خلف الستار، حيث لا تُسمع أصوات المدافع، دارت معركة أخرى أكثر دهاءً: معركة الثقافة.
كتاب «من الذي دفع للزمار؟ – الحرب الباردة الثقافية» لفرانسيس ستونر سوندرز، يفتح هذا الملف المسكوت عنه، كاشفًا كيف جرى توظيف الأدب والفن والفكر بوصفها أدوات سياسية، وكيف تحوّل المثقف ـ أحيانًا دون أن يدري ـ إلى جندي في حرب لا يحمل فيها بندقية، بل قلمًا ومقالًا ولوحة.
قراءة الدكتور عبد الخالق كاظم إبراهيم تعيد تقديم هذا العمل المهم للقارئ العربي، لا باعتباره وثيقة تاريخية جامدة، بل بوصفه مفتاحًا لفهم آليات السيطرة الناعمة، التي ما زالت فاعلة حتى اليوم بأشكال أكثر حداثة وذكاء.
تلخيص الكتاب
يتتبع الكتاب الدور السري الذي لعبته الولايات المتحدة، عبر وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، في تمويل مشاريع ثقافية واسعة النطاق خلال الحرب الباردة، بهدف مواجهة النفوذ السوفيتي أيديولوجيًا. تكشف سوندرز كيف جرى دعم مجلات أدبية مرموقة، ومؤتمرات فكرية، ومعارض فنية، واتحادات كتّاب، لتكريس نموذج ثقافي بعينه، يقوم على الليبرالية الغربية، مع إقصاء أو تحجيم أي خطاب فكري منافس.
ويكشف الكتاب أن كثيرًا من المثقفين المشاركين في هذه الأنشطة لم يكونوا على علم بمصادر التمويل الحقيقية، ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود البراءة والمسؤولية في العمل الثقافي.
فصول ومضمون الكتاب
يفتتح الكتاب بتفكيك مفهوم الحرب الباردة الثقافية، باعتبارها معركة طويلة الأمد على العقول والقيم، لا على الأرض والجيوش.
ثم يتناول نشأة مؤتمر الحرية الثقافية، الذي ظهر في صورة منبر عالمي للدفاع عن حرية الفكر، بينما كان في جوهره أداة مركزية في استراتيجية الحرب النفسية الأمريكية.
وتخصص المؤلفة فصولًا لتحليل دور المجلات الثقافية المؤثرة، وعلى رأسها مجلة Encounter، موضحة كيف جرى توظيفها لصناعة نخب فكرية جديدة، قادرة على التأثير في الرأي العام الأوروبي والعالمي.
كما تتوقف عند العلاقة بين الفن الحديث، ولا سيما التجريدية، والسياسة، وكيف جرى تقديم هذا الفن بوصفه التعبير الأسمى عن «حرية الإبداع»، في مقابل الواقعية الاشتراكية المرتبطة بالمعسكر الشرقي.
ويصل الكتاب إلى لحظة الانكشاف في ستينيات القرن العشرين، حين تسربت الوثائق وانهارت الصورة المثالية لتلك المؤسسات، مخلفة صدمة أخلاقية وثقافية واسعة داخل الأوساط الفكرية الغربية نفسها.
أهم المقولات
«الثقافة كانت سلاحًا صامتًا، لكنه أكثر نفاذًا من المدافع».
«كثير من المثقفين كانوا جنودًا في معركة لم يُخبَروا أنهم يخوضونها».
«من يدفع للزمار، يختار اللحن، حتى لو ظن العازف أنه يعزف بحرية».
كتب عربية مشابهة
الاستشراق – إدوارد سعيد.
الثقافة والإمبريالية – إدوارد سعيد.
صناعة القبول – نعوم تشومسكي (ترجمة عربية).
الإمبريالية الثقافية – دراسات وأبحاث عربية متعددة.
أهمية الكتاب وربطه بالواقع الراهن
تتجلى أهمية هذا الكتاب اليوم في ظل تصاعد دور التمويل الأجنبي للمشاريع الثقافية، وانتشار مراكز الأبحاث، والمنصات الرقمية، والجوائز العابرة للحدود.
فما كشفته سوندرز عن القرن العشرين نراه اليوم يتكرر بصيغ أكثر نعومة وتعقيدًا، حيث تُدار المعارك الثقافية عبر المحتوى، والخوارزميات، والرعاة، لا عبر الدبابات.
الكتاب يقدّم للقارئ أداة نقدية ضرورية: ألا يكتفي بجمال المنتج الثقافي، بل أن يسأل دومًا عن السياق، والممول، والغاية.
سيرة المؤلفة والمترجم
فرانسيس ستونر سوندرز: كاتبة وباحثة بريطانية، متخصصة في تاريخ الحرب الباردة، عُرفت بجرأتها في كشف الوثائق السرية، والعلاقات المعقدة بين الثقافة والسلطة. يُعد هذا الكتاب أبرز أعمالها وأكثرها تأثيرًا.
د. عبد الخالق كاظم إبراهيم: أكاديمي وباحث في قضايا الفكر السياسي والهيمنة الثقافية، له إسهامات متعددة في تحليل العلاقة بين المعرفة والسلطة، وتأتي هذه القراءة ضمن جهوده لتقريب القضايا الكبرى من القارئ العربي دون تفريط في عمقها.
هذا الكتاب
هذا الكتاب ليس مجرد توثيق لمرحلة تاريخية منتهية، بل شهادة حيّة على أن الثقافة لم تكن يومًا بريئة تمامًا من الصراع.
إنه دعوة صريحة لإعادة النظر في مفهوم الاستقلال الثقافي، ولتحرير الإبداع من هيمنة المال والسياسة قدر الإمكان. من يقرأ «من الذي دفع للزمار؟» سيعيد التفكير طويلًا في العلاقة بين المثقف والسلطة، وبين الفكرة ومن يمولها.


