في خطوة دبلوماسية غير مسبوقة، كشف مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، عن مبادرة أميركية تهدف إلى إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا عبر تقاسم السلطة بين الإدارتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها. تأتي هذه الخطة في وقت تواصل فيه جهود الأمم المتحدة تعثرها بسبب معارضة سياسيين وفصائل مسلحة تخشى فقدان النفوذ والوصول إلى موارد الدولة، وفي مقدمتها عائدات النفط.
ملامح الخطة.. مجلس رئاسي لصدام حفتر وحكومة للدبيبة
وفقاً لتسريبات صحيفة “فايننشال تايمز” التي نشرت المقابلة مع بولس في 17 يونيو 2026، فإن التصور الأميركي يتضمن تعيين صدام حفتر، نجل القائد العسكري خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق ليبيا، رئيساً لمجلس تنفيذي رئاسي. في المقابل، سيُبقى على عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس منذ 2021، في منصبه الحالي. كما تتضمن الصيغة المقترحة منح أحد المقربين من الدبيبة موقعاً بارزاً في جهاز الأمن القومي، لضمان تمثيل الطرفين داخل مؤسسات الدولة السيادية.
وأوضح بولس أن هذه الخطة ستكون “مكملة” لجهود الأمم المتحدة الرامية إلى إجراء انتخابات برلمانية، وقد تشكل “ترتيباً قصير الأمد” يسبق الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
النفط في قلب الحسابات الأميركية
لا تخفي واشنطن أن البعد الاقتصادي يشكل أحد المحركات الرئيسية لهذه المبادرة. فقد أشار بولس إلى أن شركتي “كونوكو فيليبس” و”شيفرون” وقعتا بالفعل اتفاقيات تعاون مع ليبيا خلال عام 2026. وأضاف أن إنتاج ليبيا النفطي قد يتضاعف ليصل إلى 3 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد الحالي، مما سيضعها “على خريطة كبار منتجي النفط عالمياً”. وتملك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا، إلا أن إنتاجها الحالي لا يتجاوز نحو 1.2 إلى 1.3 مليون برميل يومياً، بسبب الاضطرابات التي أعقبت الإطاحة بالزعيم الراحل معمر القذافي عام 2011.
خطوات تمهيدية.. ميزانية موحدة ومناورات عسكرية
أشار بولس إلى خطوات ضمن خريطة الطريق لتوحيد ليبيا، من بينها التوصل في نوفمبر 2025 إلى اتفاق بشأن تمويل مشاريع التنمية في جانبي البلاد، إضافة إلى توقيع ميزانية وطنية موحدة في أبريل 2026 للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. كما شارك الجانبان في مناورات “فلينتلوك” العسكرية التي تقودها القيادة الأميركية في أفريقيا، والتي أُقيمت في ليبيا خلال أبريل 2026.
تشكيك واسع في فرص النجاح
رغم التفاؤل الأميركي، تواجه المبادرة شكوكاً كبيرة لدى دوائر دبلوماسية وخبراء متخصصين. فنقلت “فايننشال تايمز” عن مصادر إيطالية أن روما، الشريك التجاري الرئيسي لليبيا، جرى التشاور معها بشأن الخطة وتدعمها مبدئياً، لكنها ترى أن تنفيذها سيكون صعباً ومعقداً.
وعلّقت كلوديا غاتسيني، كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، على الخطة بأنها تمثل “تفكيراً قائماً على التمنيات”، مشيرة إلى أنه لا يوجد في بنغازي خطاب عام يدعو إلى المصالحة مع الطرف الآخر، بل يُنظر إلى طرابلس كعدو. كما أشار تيم إيتون، الباحث البارز في مركز تشاتام هاوس، إلى أن عائلة حفتر لم تُظهر في السابق استعداداً لتقاسم السلطة، فيما يخشى معسكر الدبيبة أن يستخدم صدام حفتر أي موقع في المجلس الرئاسي نقطة انطلاق للسيطرة على بقية مؤسسات الدولة.
معارضة داخلية تعمق الأزمة
في الداخل الليبي، برزت أصوات معارضة لهذه التفاهمات، حيث عبر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عن تحفظه الواضح على ما وصفها بـ”الصفقات” التي تغلب المصالح الضيقة. كما أعلن المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة رفضه لأي تسوية سياسية تخرج عن الإطار الدستوري الحاكم. ويحذر مراقبون من أن هذه الخطة، التي تسعى إلى ترسيخ حكم من يملكون السلطة حالياً، قد تعني عدم وجود فرصة لإحداث تغيير سياسي أو إجراء انتخابات في المستقبل القريب.







