إذا كان اهتمام الغزالي بتتبع القضايا الموضوعية في إطار القرآن وعرضها من خلال هداياته، قد بدأ مع بواكير آثار الغزالي الفكرية، فإن اهتمامه بوحدة السورة القرآنية لم يظهر إلا مع بداية السبعينيات، وذلك حين بدأ ممارسة هذا النوع من التفسير في خطب الجمعة التي كان يلقيها على المصلين.
منذ ذلك الحين، والشيخ يتفاعل مع هذا الضرب من التفسير، حيث تناوله خطابة، وتدريسا، ومحاضرة، وفي آخر المطاف كتابة، حين قدم آخر ما صدر له من مؤلفات: “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم”.
إن استقراء ما قدمه الغزالي في هذا المجال، عبر أزيد من ربع قرن، يفضي إلى الكشف عن معالم المنهج في التفسير لديه، وهو منهج يمكن أن نعرض أهم سماته في النقاط الآتية:
1- أول ما يحرص عليه الغزالي، وهو يفسر السور القرآنية، هو التأكيد على أن للسورة محورا عاما وموضوعا كليا تدور عليه؛ إذ كثيرا ما كان يبدأ تفسيره للسورة بالعرض الإجمالي لمحورها الرئيس أو موضوعاتها الأساسية.
من ذلك قوله في أول تفسيره لسورة آل عمران:
“يستطيع قارئ سورة آل عمران، أن يستبين – على عجل – موضوع السورة الكريمة، فهي تدور على قضيتين كبيرتين:
الأولى: حوار مع أهل الكتاب الذين يخاصمون الإسلام داخل المدينة.
والأخرى: تعليق على هزيمة أحد التي أصابت المسلمين بجرح غائر، وأدخلت الأحزان إلى عشرات البيوت.
والحديث في كلتا القضيتين يأخذ بدايته منفردا في أول السورة ووسطها، ثم يختلط الحوار والتعليق أواخر السورة، كأن جهاد الدعوة يقضي بالثبات في الموقفين، ويوجب على المسلمين مواجهة مشتركة لكيد اليهود داخل المدينة وهجوم الوثنيين عليها تمشيا مع عدوانهم السابق.
وفي أول حديثه عن سورة النساء قرر أن: “الثلث الاول من سورة النساء حديث عن الأسرة وقضاياها، والأسرة هي المجتمع الصغير، والثلثان الباقيان حديث عن الأمة، وشؤونها، والأمة هي المجتمع الكبير، فمحور السورة كلها العلاقات الاجتماعية وضرورة إحكامها وتسديدها”.
وفي تفسيره لسورة النور، علق على موضوعها بقوله: “وسورة النور تتحدث عن احترام الغريزة وضبطها حتى لا تنحرف يمنة أو يسرة، ثم التخويف لمن يدع حدود الله أو يترك العقوبات التي قررت تقريرا حاسما في هذه السورة المباركة”.
وفي أحيان أخرى، لا يعمد الغزالي إلى تصوير موضوع السورة بشكل مباشر، وإنما ينطلق على سجيته في الحديث عن قضية من القضايا، حتى إذا أحاط بتلك القضية، أشار بعد ذلك إلى أن السورة محل التفسير، قد تناولت موضوع هذه القضية، فيكون ذلك مدخلا له لدراسة الموضوع في إطار ما ترسمه السورة.
من ذلك ما عرض له في بداية تفسيره لسورة الفرقان، حيث قال: “من حق الله أن نعرفه ولو لم يبعث لنا رسلا؛ فآثاره تدل عليه، وفطرتنا تتجه إليه، ومع ذلك فقد شاء – رحمة منه وفضلا – أن يبعث إلينا من أنفسنا من نأنس بهم ونتعلم منهم.
ونحن لا نعرف أعداد المرسلين الذين جاءونا ولا أسماءهم، ولكننا نعلم أن جماعتهم ختمت برسول جمع كتابُه زبدة تعاليمهم، وقدر الله له أن يصحب الحياة في مسيرتها الباقية حتى يرث الأرض ومن عليها، ذلكم هو محمد بن عبد الله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان: 1).
إن محمدا إنسان مثلنا، ولكن أمجاد البشرية التقت في كيانه، ولواء الإمامة العامة انعقد له وحده، ورشد العالم كله ارتبط برسالته الخالدة، فما يصد عنها إلا محروم.
وحين أرسله الله سبحانه وصف نفسه بما هو أهل له: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: 2) – وهي صفات مارى فيها الجاهلون بالله والجاحدون له، ولكن صاحب الرسالة الخاتمة صنع أمة تؤمن بها، وتقاتل دونها.. وفي سورة الفرقان التي نزلت عليه إحصاء لشبهات وأقوال أعدائه”.


