إن كل هذه النقاشات -بين النخب الثقافية كل هذه السنوات- وحصرها اللاعب الرئيسي في المشهد السوري بين موسكو وواشنطن اختزال خطير جدا جدا لمشهد ثورة تاريخية كبرى، قدمت ملايين الشهداء، وبحورا من الدماء، مدة 14 عاما من أجل التحرر -بل منذ ثورة حماة سنة 1982م- وانتهت بأكبر تغيير جذري للمنطقة كلها منذ نصف قرن وما زالت تداعياته في بداياتها!
وأطاحت الثورة السورية حتى الآن بكل الترتيبات والمخططات والخرائط والقرارات الدولية والحلول السياسية منذ إعلان مقررات مؤتمر جنيف 2012م، التي حاولت روسيا وأمريكا فرضها على الشعب السوري بالحصار، وبالحديد والنار -كما فعلت في كل ثورات شعوب الربيع العربي وما تزال- بما في ذلك الخط الأحمر الأمريكي الذي أكده كل رؤساء البيت الأبيض من أوباما إلى ترامب ثم بايدن بأنه لا حل عسكريا في سوريا وأنه يجب على الجميع القبول بقرارات مؤتمر جنيف والحل السياسي!
وكانت إيران وميليشياتها الطائفية والأنظمة العربية الوظيفية أخطر الأدوات التي استخدمها الطرفان الروسي والأمريكي لمواجهة الثورة العربية والسورية!
لقد كان الشعب السوري وحده -والأمة من ورائه- هو الفاعل المؤثر الأول والرئيس طوال أعوام الثورة كلها منذ تفجرها سنة 2011 حتى سقوط النظام الإجرامي وتحقق النصر أواخر 2024، وكان لتركيا الدور الأبرز في تعزيز صموده خلال ثورته حتى النصر، ثم استثمار هذا النصر سياسيا لصالح الشعبين التركي والسوري، وكان للصراع الغربي الروسي في أوكرانيا، والتنافس الأمريكي الصيني، دور كبير في استعادة تركيا لدورها التاريخي في المنطقة لحاجة الجميع لها من جهة، ولقدرتها كقوة عسكرية ودولة مركزية على القيام بمسئولياتها من جهة أخرى، كما كان لذلك الصراع تأثير مباشر على الساحة السورية نفسها كان في صالح قوى الثورة.
لقد تحقق النصر بدماء الشعب السوري، وبفضل ثورته المسلحة، كما تحقق من قبل في أفغانستان، ولولا الكفاح المسلح لما خرج منها المحتل الروسي سنة 1990 ثم الأمريكي 2021!
وهو ما لا ترغب النخب العربية بتصديقه والاعتراف به، فهو يهدم كل أوهامها عن النضال السلمي والمدني ورهانها عليه، كما يريده لها النظام الدولي الغربي الذي يرعاها لتظل جزءا من أدواته ومنظوماته الإعلامية والثقافية في صياغة العقل السياسي العربي والإسلامي!
إن ما يجري في سوريا منذ النصر في ديسمبر 2024 حتى رفع واشنطن العقوبات عنها بالأمس هو نتيجة طبيعية لثورة تاريخية فرضت نفسها على العالم، وانتصرت بالقوة المسلحة، وتقاطعت مصالح الأطراف الإقليمية والدولية معها، ووجد الجميع في آخر المطاف مصلحته في تغيير موقفه منها – سواء لتحييدها أو احتوائها أو الحد من تأثيرها وتداعياتها – بعد أن فشلوا في حصارها وعجزوا عن وأدها في مهدها!
وليس هذا ببدع من تاريخ الشعوب وثوراتها وتحقق النصر لها لظروف خارجية جاءت لصالحها؛ ليتحول قادتها من مجرمي حرب ومنظمات إرهابية إلى حكومات شرعية يعترف بها أعداؤها قبل حلفائها!
فهذا ما تحقق للجيش السري الإيرلندي وجناحه السياسي «الشن فين» مع بريطانيا التي خاض حربه ضدها منذ 1921 حتى أوقف أعماله سنة 1998 ليتحول جيري آدمز من إرهابي محظور إلى قائد لعملية السلام!
وكذا كان نلسون مانديلا وحزبه الوطني المسلح الذي كان يعد في بريطانيا وأمريكا منظمة إرهابية منذ سنة 1961م حتى سنة 1994م ليتحول مانديلا إلى بطل للسلام ورئيسا لجنوب أفريقيا، ولم ترفع واشنطن عنه الحظر والعقوبات إلى سنة 2008م!
وكذا كانت واشنطن تعد ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية منذ 1986 إلى تنفيذ اتفاق أوسلو سنة 1996م!
وقد عدت الولايات المتحدة حركة طالبان منظمة إرهابية طوال مدة احتلال أفغانستان منذ 2001 لتنتهي بالتفاوض معها والانسحاب من أفغانستان سنة 2021م!
إن عجز النخب العربية – العلمانية والإسلامية على حد سواء – عن إدراك هذا التحول التاريخي في العالم العربي والإسلامي، والتدافع الأممي – والذي كان لثورات الأمة وشعوبها وكفاحها المسلح الأثر الأبرز فيه – جعلها حبيسة أوهامها التي تسيطر عليها منذ نصف قرن، فهي لا ترى في المشهد إلا الغرب وجيوشه ونظامه الدولي ومجلس الأمن وقراراته وقدراته! ولا ترى تآكل منسأته، واحتضاره، واقتراب إعلان وفاته، واستعداد الأمة وشعوبها لدفنه تحت أقدامها!
وترفض هذه النخب التصديق بأن الأمة وشعوبها قد تتحرر فعلا وتسود، وأن خلافتها ستعود، وأن فتوح الشام تمضي إلى القدس والنصر الموعود!







